""""""صفحة رقم 70""""""
وتفاريق ما عندها . قال: إنما أريد بهذا الفرس . فقلت: قبل أن أحكم بشيء من تلقاء نفسي ، أروي كلامًا لابن المقفع ، وهو أصيلٌ في الفرس عريق في العجم ، مفضل بين أهل الفضل ؛ وهو صاحب اليتيمة القائل: تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام . قال: هات على بركة الله وعونه . قلت: قال شبيب بن شبة: إنا لوقوفٌ في عرصة المربد - وهو موقف الأشراف ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر - إذ طلع ابن المقفع ، فما فينا أحد إلا هش له ، وارتاح إلى مساءلته ، وسررنا بطلعته ؛ فقال: ما يقفكم على متون دوابكم في هذا الموضع ؟ فوالله لو بعث الخليفة إلى أهل الأرض يبتغي مثلكم ما أصاب أحدًا سواكم ، فهل لكم في دار ابن برثن في ظلٍ ممدود ، وواقيةٍ من الشمس ، واستقبال من الشمال ، وترويحٍ للدواب والغلمان ، ونتمهد الأرض فإنها خير بساط وأوطؤه ، ويسمع بعضنا من بعض فهو أمد للمجلس ، وأدر للحديث . فسارعنا إلى ذلك ، ونزلنا عن دوابنا في دار ابن برثن نتنسم الشمال ، إذ أقبل علينا ابن المقفع ، فقال: أي الأمم أعقل ؟ فظننا أنه يريد الفرس ، فقلنا: فارس أعقل الأمم ، نقصد مقاربته ، ونتوخى مصانعته . فقال: كلا ، ليس ذلك لها ولا فيها ، هم قوم علموا فتعلموا ، ومثل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتباعه ، ليس لهم استنباط ولا استخراج . فقلنا له: الروم . فقال: ليس ذلك عندها ، بل لهم أبدانٌ وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة ، لا يعرفون سواهما ، ولا يحسنون غيرهما . قلنا: فالصين . قال: أصحاب أثاثٍ وصنعة ، لا فكر لها ولا روية . قلنا: فالترك . قال: سباع للهراش . قلنا: فالهند . قال: أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة . قلنا: فالزنج: قال: بهائم هاملة . فرددنا الأمر إليه . قال: العرب . فتلاحظنا وهمس بعضنا إلى بعض ، فغاظه ذلك منا ، وامتقع لونه ، ثم قال: كأنكم تظنون في مقاربتكم ،