فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 524

""""""صفحة رقم 61""""""

السماجات ؛ ومع هذا كله يظن أن هذا خافٍ على نقاد الأخلاق وجهابذة الأحوال ، والذين قد فرغهم الله لتتبع الأمور ، واستخراج ما في الصدور ، واعتبار الأسباب ؛ وذلك أنه ليس بجيد العقل ، ولا خالص الحمق ؛ وكل كدر بالتركيب فقلما يصفو ، وكل مركب على الكدر فقلما يعتدل ؛ إلا أن الانحراف متى كان إلى جانب العقل كان أصلح من أن يكون إلى طرف الحمق ؛ والكامل عزيز ، والبرىء من الآفات معدوم ؛ إلا أن العليل إذا قيض الله له طبيبًا حاذقًا رفيقًا ناصحًا كان إلى العافية أقرب ، وللشفاء أرحي ، ومن العطب أبعد ، وبالاحتياط أعلق ، أعني أن العاقل إذا عرف من نفسه عيوبًا معدودة ، وأخلاقًا مدخولة ، استطب لها عقله ، وتطبب فيها بعقله ، وتولى تدبيرها برأيه ورأي خلصانه ، فنفي ما أمكن نفيه ، وأصلح ما قبل إصلاحه ، وقلل ما استطاع تقليله ؛ فقد يجد الإنسان الرمص في عينه فينحيه ، ويبتلي بالبرص في بدنه فيخفيه . وقد أفسده أيضًا ثقة صاحبه به ، وتعويله عليه ، وقلة سماعه من الناصح فيه ؛ فعذر بازدهاء المال والغلم والاقتدار والأمر والكفاية وطاعة الرجال وتصديق الجلساء والعادة الغالبة ؛ وهو في الأصل مجدود لا جرم ليس يقله مكانٌ دلالًا وترفًا ، وعجبًا وتيهًا وصلفًا ؛ واندراءً على الناس ، وازدراءً للصغار والكبار ، وجبها للصادر والوارد ؛ وفي الجملة ، صغار آفاته كبيرة ، وذنوبه جمة ولكن الغني ربٌ غفور قال: ما صدر هذا البيت ؟ فأنشدته الأبيات ، وهي لعروة بن الورد في الجاهلية ، وكان يقال له عروة الصعاليك ، لأنه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرًا: ذريني للغنى أسعى فإني . . . رأيت الناس شرهم الفقير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت