فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 524

""""""صفحة رقم 23""""""

وقال معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث - ورآه لا يلي له عملًا ، ولم يقبل منه نائلًا -: يا ابن أخي ، هي الدنيا ، فإما أن ترضع معنا ؛ وإما أن ترتدع عنا . وربما قال بعض المتكلفين قد قال بعض السلف: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ، ولا من ترك الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه . وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن . وربما قال آخر من المتقدمين: ' اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا ، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا ' . وهذا أيضًا كلامٌ منمق ، لا يرجع إلى معنىً محقق ؛ أين هو من قول المسيح - عليه السلام - حين قال: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من الآخر ؛ ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر . وأين هو من قول الآخر: الدنيا والآخرة ضرتان ، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، ومتى أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى . وهذا لأن الإنسان صغير الحجم ، ضعيف الحول ، لا يستطيع أن يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته ، وبين السعي في طلب المنزلة عند ربه بأداء فرائضه ، والقيام بوظائفه ، والثبات على حدود أمره ونهيه ، فإن صفق وجهه وقال: نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار: فهذا المذبذب الذي لا هو من هذه ولا من هذه ؛ ومن تخنث وتليث لم يكن رجلًا ولا امرأة ، ولا يكون أبًا ولا أمًا ؛ وهذا كما نرى . ونرجح فنقول: ونعوذ بالله من الفقر خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذٌ من التقوى ، ولا عمادٌ من الصبر ، ولا دعامةٌ من الأنفة ، ولا اصطبارٌ على المرارة . وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الديانين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم ، الخاوي من الكرام الذين كانوا يتسعون في أحوالهم ، ويوسعون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت