ومِن عَجائِبِ ما أَذكُرُهُ للعِظَةِ والعِبْرَةِ؛ أَنَّهُ زَارَنِي فِي سَنَةِ (1417) شابانِ مِن بِلادِ المَغْرِب العَرَبِيِّ، أَحَدُهُما فِي مُنْتَصَفِ العِشْرِيناتِ مِن العُمَر؛ وكُنْتُ أراهُما لأَوَّلِ مَرَّة؛ فَأخَذ هذا يَقُصُّ عَلَيَّ مِمّا رَآهُ فِي المَنامِ نَحْوَ ساعَتَيْنِ!؛ حَتَّى قَصَّ مائةَ رُؤْيا أَوْ يَزِيد!؛ وهُوَ لا يَسْألُنِي عَنْ شَيْءٍ مِن تَاويلِ ذلك، وكُلَّما هَمَمْتُ بَمُقاطَعَتِهِ عِنْدَ انْتِهائِهِ مِن رُؤْيا شَرَعَ فِي التِي تَلِيها!؛ لكِنَّنِي عَلِمْتُ مِمَّا كانَ يَحْكِيهِ مُرادَهُ وما الذي يَرْمِي إلَيه.
فَلَما فَرَغَ قالَ لِي: اسْتَمِعْ إلَى صاحِبِي إِذن! ...
قُلْتُ: فاللهُمَّ صَبْرًا؛ هاتِ أَيُّها الصاحِب ...
فقَصَّ صاحِبُهُ نَحْوَ عَشْرٍ مِنَ الرُّؤَى هِيَ فِي المَعْنَى عَلَى نَحْوِ ما رَآى صاحِبُهُ!.
ثُمَّ قالَ لِي الأَوَّل: ما تَقُولُ فِي هَذا كُلِّهِ؟.
قُلْتُ: لا شَيْءَ مِمّا قَصَصْتَ أو قَصَّ صاحِبُكَ مِن الرُّؤْيا!.
قال: فَكَيْفَ أتَّفِقُ وصاحِبِي عَلى مَعْنَى واحِدٍ يَراهُ فِي المَنامِ كِلانا؛ ألَيْسَ ذلكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِن الله؟.
قُلْتُ: كُلُّ ما رَأَيْتُماهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّكُما تُكْثِرانِ مِن الحَديثِ عَنِ المَهْدِيِّ وأشراطِ الساعَةِ؛ ألَيْسَ كَذلك؟.
قالَ: بَلَى؛ وأزِيدُكَ عَلى هذا، أَنَّنِي أَعْتَقِدُ كَما يَعْتَقِدُ صاحِبِي هَذا أَنَّنِي المَهْدِيُّ الذِي أَخْبَرَ بِهِ النِبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّم!، وهذه الرُّؤَى دلِيلُ ما قُلْتَ!!.
قُلْتُ: غَرَّتْكَ نَفْسُكَ؛ ولَعِبَ بِكَ شَيْطانُك، فالمَهْدِيُّ لا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ ذلكَ، ولا وَرَدَ أَنَّهُ يَرَى رُؤْيا تَدُلُّهُ علَى أَنَّهُ المَهْدِي؛ بل المُسْلِمُونَ يَأتُونَهُ فَيُبايِعُونَهُ، ولَيْسَتْ الرُّؤْيا مِمَّا يَصلُحُ دَلِيلًا فِي الشرْع، وأما دَعْواكَ بِأنَّ ما رَأَيْتَهُ مِن اللهِ تعالَى فَلَيسَ كَما تَقُول؛ بلْ هُوَ مِما تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ وتُخَيِّلُهُ لكَ أَوْهامُكَ فَتَراهُ فِي مَنامَك، ثُمَّ إِنَّ المَهْدِيَّ قُرَشِيٌّ هاشِميُّ مِن أهْلِ بَيتِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم واسمُهُ كاسْمِ النَّبِيِّ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيه؛ وأَما أَنْتَ فلا اسْمُكَ كاسْمِهِ!؛ ولا هَيْئَتُكَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ مِن العَرَبِ الأَقْحاحِ أَصْلا؛ بَلْ ظاهِرُكُ يَدُلُّ علَى أَنَّكَ مِنْ فُرُوعِ الرُّومِ أو البَرْبَرِ!؛ وأوْصافُكَ شَاهِدَةٌ علَيكَ بِذلكَ ناطِقَةٌ بِما لا تَسْتَطِيعُ تَكْذِيبَه.
فَلَمَّا جَادَلاَ فَأَكْثَرَا الجِدَالَ أَذِنْتُ لَهُما فَانْصَرَفا إِلَى غَيْرِ رَجْعَة.
وقَدْ ذكَرَ ابْنُ خَلْدُونٍ رَحِمَهُ الله فِي مُقَدِّمَتِهِ المَشْهُورَةِ علاماتٍ تُعْرَفُ بِها الرؤْيا الصادِقِةُ؛ نُشيرُ إلى خُلاصِتها:
فَمِنْهَا: سُرْعَةُ انْتِبَاهِ الرَّائِي عِنْدَمَا يُدْرِكُ الرُّؤْيَا، كَأَنَّهُ يُعَاجِلُ الرُّجُوعَ إِلَى الحِسِّ بِالْيَقَظَةِ؛ وَلَوْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي نَوْمِهِ.
وَمِنْهُا: ثُبُوتُ ذَلِكَ الإدْرَاكِ وَدَوَامُهُ بِانْطِبَاعِ تِلْكَ الرُّؤْيَا بِتَفَاصِيلِهَا فِي حِفْظِهِ فَلاَ يَتَخَيَّلُهَا سَهْوُ وَلاَ نِسْيانٌ!، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْضَارِهَا بِالفِكْرِ والتَّذْكيرِ؛ بَلْ تَبْقَى مُتَصَوَّرَةً فِي ذِهْنِهِ إِذَا انْتَبَهَ؛ وَلاَ يَغْرُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَ قَدْ تَبْقَى الرُّؤْيَا بَعْدَ الانْتِبَاهِ حَاضِرَةً فِي الحِفْظِ أَيَّامًا مِنَ العُمُرِ؛ لا تَشَذُّ بِالْغَفْلَةِ عَنِ الفِكْرِ بِوَجْهٍ إِذَا كَانَ الإِدْرَاكُ الأَوَّلُ قَوِيّا. وَإِذَا كانَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ الرُّؤْيا بَعْدَ الانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ بِإعْماَلِ الفِكْرِ وَالْوِجْهَةِ إِلَيْهَا؛ وَيَنْسَى الكَثِيرَ مِنْ تَفَاصِيلِهاَ حَتّى يَتَذَكَّرَهَا فَلَيْسَتْ الرُّؤْيا بِصَادِقَةٍ؛ وَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ أَضْغَاثِ الأَحْلامِ!، وَهَذِهِ العَلاَمَاتُ مِنْ خَواصِّ الوَحْي؛ قَالَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) } ، وَالرُّؤْيَا لَهَا نِسْبَةٌ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالوَحْيِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحِ؛ قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ... وَسَلَّمَ: الرُّؤْيا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ؛ فَلِخَوَاصِّهَا أَيْضًا نِسْبَةٌ إِلَى خَوَاصِّ النُّبُوَّةِ بِذَلِكِ القَدْرِ، فَلاَ تَسْتَبْعِدْ ذَلكَ، فَهَذَا وَجْهُ الحَقِّ. انْتَهى.