الصفحة 192 من 207

وأمّا الركوعُ والسجودُ فَيأتِي من ذلكَ بِما اسْتَطاعَ، لعُمومِ قَولِهِ تعالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاّ وُسْعَهَا} ، وقَولِهِ: {فَاتّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ؛ وقولِهِ صلى الله عليهِ وسلم: إذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، ولأنّ التمكُّنَ من الركوعِ والسجودِ إنّما يَجِبُ فِي الأمْنِ معَ القَدْرَةِ، ومَعَ العَجْزِ فَيَجِبُ الميسورُ ويسقطُ المعسورِ، وأما في الخَوفِ فَيُجْزِئُ الإيماءُ عن الركوعِ والسجودِ أصلًا؛ لكنْ يَجْعَلُ السجودَ أخفضَ من الركوعِ، والله أعلم.

وأما القبلةُ فَيجتهِدُونَ في مَعْرِفَةِ الجِهَةِ ما أمْكَنَ، لِعُمومِ قَولِهِ تعالَى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ، فإنْ عَسُرَ عَلَيهِم معرِفَةُ الجِهَةِ صَلّوْا إلَى أَيَّةِ جِهَةٍ شاءُوا، وَقْدْ ذَهَبَ أَكثرُ أهلِ العلمِ إلَى أنّ مَن صَلّى فِي الغَيْمِ لغيرِ القبلَةِ، ثُمّ اسْتَبَانَ لهُ بعدَ ذلكَ أنهُ صلى لغيرِ القبلَةِ فإنّ صلاتَهُ جَائِزَةٌ، وَهُو قَولُ سُفْيانَ الثورِيِّ وابنِ المبارَكِ وأحمدَ وإسحاقَ وأَبِي حَنيفَةَ ومالكٍ، إلاّ أن مالكًا استحبّ الإعادَةَ فِي الوقْتِ، وقال الشافعِيُّ لا يُجْزِئُهُ لأنّ القِبْلَةَ شرطٌ من شروطِ الصلاةِ، والصحيحُ مِن هذا كُلِّهِ أنّها جائِزَةٌ ولا إعادَةَ عَلَيهِ.

وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضّئًا؛ أوْ انْتَقَضَ وُضوءُهُ فِي هذا الحالِ؛ فالذِي يَظْهَرُ لِي - واللهُ أعلَمُ سُبحانَهُ - أنّ حُكْمَهُ حُكْمُ فاقِدِ الطهُورَينِ؛ والصحِيحُ المُخْتارُ أنهُ يصلّي على حالِهِ ولا إعادَةَ علَيهِ؛ كما دلّ علَى ذلكَ حَدِيثُ عائشَةَ رَضِي اللهُ عَنها فِي فُقدانِ عِقْدِها بِذاتِ الجَيشِ؛ فإنّهُم أقامُوا يَبحَثُونَ عَنهُ؛ فحانَ وقتُ الصلاةِ ولم يَجِدُوا ماءً؛ فصلَّوْا علَى حالِهِم؛ ولمْ يكُنِ التّيَمُّمُ قَدْ شُرِعَ بَعْدُ؛ ولَم يَأمُرْهُم النَبِيُّ صلى الله علَيهِ وسلم بالإعادَةِ.

وإنما قُلْتُ إنه في حكمِ فاقِدِ الطهُورَينِ لأنَّ (حُلّةَ الغَوصِ) تَمْنَعُ وصولَ الماءِ إلَى أعْضاءِ الوضوءِ؛ وخاصّةً الوَجْهَ؛ لأنّ غطاءَ الرأسِ خَوْذَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ علَى الرأسِ علَى هَيئةِ الكُرَةِ للوِقايَةِ مِن ضَغْطِ الماءِ ومُساعَدَةِ الغَواصِ علَى التنَفُّسِ، وقِياسُ غَسلِ الأعضاءِ مَعَ هذهِ الآلاتِ علَى المَسحِ علَى الجَبيرَةِ قِياسٌ معَ الفارِقِ؛ فَلا يَصحُّ، وأما التّيَمُّمُ فَظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ بِمُباشَرَةِ الصعِيدِ باليَدَينِ ومَسْحُ الوَجْهِ واليَدَينِ بِهِما؛ وذلكَ غَيرُ حاصِلٍ فٍي هذهِ الصورَةِ، والله أعلْمُ.

وأمّا دُخُولُ العَمَلِ المَذكُورِ فِي فَضلِ الغَزْوِ فِي البَحْرِ فَهُوَ كذلكَ إن شاءَ اللهُ تعالَى، ولَيسَ هذا الفَضْلُ مَقْصُورًا علَى مَن رَكِبَ السفُنَ فِي البَحْرِ للغَزْوِ، ويُؤَيّدُ هذا أنّ المُخاطَرَةَ بالنفْسِ فِي هذا العَمَلِ أعْظَمُ من غَزْوِ البَرِّ مِن وُجُوهٍ عِدّةٍ ولا شَكّ، وفِي الصحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ فِي نَومِ النبِي صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ فِي بَيْتِ أم حَرامٍ بِنتِ مِلْحَانَ خَالَةِ أنَسِ بن مالك؛ وفيه: ثُمّ استَيقظَ وهُو يَضحكُ؛ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: مَا يُضْحِكُكَ؟!، قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمّتِي عُرِضُوا عَلَيّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرّةِ أَوْ مِثْلَ الملوكِ عَلَى الأَسِرّةِ ... الحديث.

وقَدْ قالَ النَبِيُّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ فِيما رَواهُ الحاكمُ في المستَدْركِ من حديثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمروٍ بن العاصِ: غَزْوَةٌ فِي البَحْرِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ غَزَواتٍ فِي البَرّ، وَمَنْ أَجازَ البَحْرَ فَكأَنّما أَجازَ الأَوْدِيَةَ كلّها؛ وَالمائدُ فِيهِ كالْمُتَشَحّطِ فِي دَمِهِ.

والله أعلمُ سُبحانُهُ، وصلّى اللهُ علَى محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبهِ وسلم.

كانَ اللهُ له

خادمُ العلمِ وأهله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت