ويُجِيبُ عَمّا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَى إِمامِهِ أَجْوِبَةً تَدُلُّ علَى تَمَكُّنٍ مِنْ آلَةِ العِلْمِ وإنْ خالَفَ بِتَعَصُّبِهِ مُقْتَضاه!؛ ثُمَّ هُوَ لا يُوَفِّرُ ما آتاهُ اللهُ مِنْ عِلْمٍ وذكاءٍ فِي إقامَةِ الدليلِ وتاييدِهِ!!.
وأقْطَعُ بأنَّ مَنْ كانَ هذا حالُهُ لا يَحِلُّ لَهُ التَقْلِيدُ البّتَّةَ؛ كما قالَ الشيْخُ المَراغِيُّ فِي الفَتْحِ المُبِينِ في طَبَقاتِ الأصُولِيينِ عَنْ عُلَماءِ الأَزْهَرِ فِي وَقْتِهِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ آلَةِ الاجِتِهاد.
ولَما قَرَاتُ كِتابَ الطّهارَةِ مِنْ حاشِيَةِ ابِنِ عابِدينَ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى بَعْضِ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ رَأيْتُ المُصَنِّفَ بَحْرًا يَتَدَفّقُ فِي سَعَةِ الاطلاعِ وتَتَبُّعِ المسائِل؛ حَتَّى إنَّ الفوائِدَ لِكَثْرَتِها تَتَناثَرُ فِي الكِتابِ فِي غَيْرِ مَظانِّها؛ ومعَ ذلكَ فَقْدْ سَلَكَ في كَثِيرٍ مِنَ المسائلِ مَسْلكًا لا يَلِيقُ بِمَنْ كانَتْ هذهِ مَنْزِلَتُهُ في العِلْم، ورأَيْتُ فِي كِتابِهِ أَيْضًا مِنَ الفُرُوعاتِ ما لا يَكادُ يُضْبَطُ أوْ يُحَدُّ!؛ فَقُلْتُ للشَّيْخِ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ العامِِيُّ السؤالَ عَنْ هذهِ الفرُوعاتِ التي تَعْرِضُ لَهُ عَشراتِ المراتِ فِي يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ وهِيَ لا تَخْطُرُ بِبَالِهِ أصْلًا؛ ولا يَقْدِرُ علَى السؤالِ عَنْها إلا مَنْ تَعَلَّمَها واطلعَ عَلَيْها من الطلاب؟!؛ ولَو قَدِرَ عَلى السؤالِ فأَينَ مَنْ يُجِيبُهُ عَنها فِي القُرى والودْيانِ والشِّعابِ والحالُ أنَّ كُلَّ الناس مُبْتَلَىً بِها؟!؛ ولَوْ وُجِدَ فذلكَ يَقعُ للرجُلِ والمرأَةِ والصغِيرِ والكبير ويَتَكَررُ وقُوعُهُ؛ مِما يُقْطَعُ مَعَهُ بأن تَكْلِيفَ العامَّةِ بِهِ خارِجٌ عما وَرَدَ في الشرْعِ مِنْ رَفْعِ الحرَجِ والتيسيرِ عَلى الخلْق، فَلَمْ يَحِرْ الشيخُ جوابًا؛ وللهِ الأمرُ مِن قبلُ ومِنْ بعد.
ومِن القَصَصِ التي يُعْتَبَرُ بِها في هذا المقام، ما حدَّثَنِي بِهِ بعْضُ تلامِذَتِي وهُوَ حَنَفِيُّ المَذْهَبِ عَنْ حِكايَةٍ وقَعَتْ في قُراهُمْ لشَيْخٍ مِن هَؤلاء، ذلكَ أنَّ الشيْخَ قامَ في مَسْجِدِ القَرْيَةِ يَومًا يَشْرَحُ للناسِ ما يَجِبُ عَلَى المَرْأَةِ مِنَ الصلاةِ؛ وَأنّ مَا تَرَاهُ فِي حَالِ وِلَادَتِهَا مِنَ الدَّمِ قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ؛ حَتَّى إنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، وَلَوْ لَمْ تُصَلِّ كَانَتْ عَاصِيَةً!؛ وَصُورَةُ صَلَاتِهَا أَنْ تَحْفِرَ لَهَا حَفِيرَةً فَتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتُصَلِّيَ حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالْوَلَدِ!.
وهِيَ مَسألَة مِنْ غَرائبِ مسائِلِهمٌْ تَجدُها في الاستِحاضَةِ وأحْكامِها مِنْ بَدائعِ الصنائعِ للكاسانِي الحنَفِيِّ، وفي البحْرِ الرائقِ شَرْحِ كَنْزِ الدقائقِ؛ وقال: كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. انتهى. وفي شَرْحِ الحدادِ اليمَنِيِّ لِمُخْتَصَرِ القُدُورِيِّ، و في الجَوْهَرَةِ النيِّرَةِ شرحِ القدورِيِّ أيضا، فأخذَ الشيخُ يُقرِّرُ المسألَةَ ويكَرِّرُها، فلما فَرغَ وأرادَ الخُرُوجَ من المَسْجدِ بادَرَتْهُ امرأَةٌ عَجُوزٌ عَنْدَ بابِ المَسْجدِ وفي يَدِها عصًا غَليظَة؛ فقالتْ له: ما هذا الذي قُلْتَ؟!؛ خَلِّنا نَضَعُ هَذِهِ العصا في أَسْفَلِكَ ثُمَّ أرِنا كِيفَ تُصَلَّي؟!!؛ فَبُهِتَ الشيخُ ولَمْ يَدْرِ ما يَقُول.
وأنا اسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ حِكايَةِ مِثْلِ هذا، وإنما ذكَرْتُها لما فِيها مِنْ بَيانِ حالِ هؤلاءِ المُقَلِّدَةِ؛ وأنَّهُمْ لما ابْتُلُوا بالتقْليدِ والإعْراضِ عنِ الدليلِ أتَوْا بِهَذهِ الآصارِ والأغْلالِ دُونَ تَمْحِيصٍ وعَرْضٍ عَلَى مِيزانِ الشرْعِ، وإنما جَرَوْا مَعَ ما ألِفُوهُ واعْتادُوهُ، فلا يَرْفَعُونَ بالدليلِ رأسًا؛ حتَّى أَسْكَتَتْهُمُ العامَّةُ بِمِثْلِ تِلْكَ الْحُجَج.
هدانا اللهُ تعالَى إلى التي هِيَ أقومُ؛ وعلَّمَنا ما يَنْفَعُنا؛ وزادنا عِلْمًا؛ والحمد لله أولا وآخرا.