الصفحة 182 من 207

ما خالَطَهُ غَيْرُهُ من الطاهِرات؛ كماءِ الورْدِ والزعْفَرانِ والشايِ والصابُونِ ونَحْوها، والوضُوءُ بهِ جائزٌ مالَمْ يَغْلِبْ عَلَيهِ ما خالَطَهُ فَيُخْرِجَهُ عنْ مُسَمَّى الماءِ المُطْلَقِ.

والثانِي: هُوَ الماءُ المُستَعْمل، إما فِي رَفْعِ حدَثٍ؛ وُضُوءٍ أو غُسْلٍ، وإما في نَقْلِ الطَّهارَةِ كتَجْدِيدِ الوُضُوءِ والأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ والْغَسْلَةِ الثانِيَةِ والثالِثَةِ، وهذا مِنَ العُلَماءِ مَنْ قالَ إنهُ طاهِرٌ غَيرُ مُطَهِّرٍ فلا يَصْلُحُ الاغْتِسالُ ولا الوُضُوءُ به، ومِنْهُمْ من قال بِنَجاسَتِه.

قال النووِيُّ في الرَّوْضَةِ: والمسْتَعْمَلُ الذِي لا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لا يُزِيلُ النَّجَسَ علَى الصَّحِيحِ. انتَهى.

واعْلَمْ أنَّ هذا التقسيمَ وإن اسْتَدَلَّ لَهُ الأئِمَّةَ بِجُمْلَةٍ مِنَ الأدِلَّةِ لا يَسَعُنا ذِكْرُها هُنا رِعايَةً لشَرْطِ الاخِتِصارِ في هذهِ النوازِلِ إلاّ أنّها حُجَجٌ لا تَنْهَضُ بِما ذَهَبُوا إلَيْهِ، ومَنْ أرادَ فليَرْجِعْ إلى السيلِ الجَرارِ (كِتابِ الطهارَةِ بابِ المِياهِ) للشوكانِيِّ؛ فَقَدْ أجابَ فيِهِ عَنْ بَعْضِ ما اسْتَنَدُوا إليهِ.

بلِ الصوابُ أنَّ الماءَ قِسْمانِ؛ وهُوَ اخْتِيارُ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ الله؛ طَهُورٌ ونَجِسٌ، فإنْ تَغَيَّرَ بِنَجاسَةٍ فَنَجِسٌ؛ وإلا فَباقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِه، ولا يَخْرُجُ عنْ ذلكَ إلا بِدَليل، وهكذا المستَعْمَلُ مِنْه، وأمّا خالَطَهُ غَيْرُهُ مِنَ الطاهِراتِ فإنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ سُمِّيَ بِها؛ وليسَ ماءً حينَئِذٍ؛ وإنْ لَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِ الْتَحَقَ بالطَّهُور، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِ الوُضُوءِ مِن كِتابِ الإجْماع: أَجْمَعُوا علَى أنّ الوضوءَ لا يَجُوزُ بِمَاءِ الوَرْدِ وماءِ الشَّجَرِ وماءِ العُصْفُرِ. انتهى.

وهذا التقْسِيمُ الثلاثِيُّ الذي يَذْكُرُونَهُ لمْ يَكُنْ مَعُرُوفًا عَنْدَ الصدْرِ الأولِ من الأُمَّةِ رَحِمَهُمُ الله، ولا عَلَّمَهُ النبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ أصحابَهُ، وكَيْفَ نُوجِبُ عَلَى الناسِ الأَخْذَ بِفُرُوعاتٍ مِنَ العَسِرِ عَلى العالِمِ حِفْظُها والعَمَلُ بِها!؛ فَضلًا عَنِ العامِيِّ الجاهِلِ والحالُ أنهُ لا يَنْفَكُّ عنْ مُلابَسَتِها في لَيْلِهِ ونَهارِهِ، وحَسْبُكَ أنْ تَسْتَعْرِضَ كُتُبَ الطهارَةِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ والشافِعِيةِ والحنابِلَةِ خاصَّةً لِتَرَى مِصْداقَ ذلك.

وقَدْ حدَّثَنِي بَعْضُ الطَّلَبَةِ أنَّهُ دَرَسَ مِنْ نَحْوِ عَشرِ سِنينَ عَلَى بَعْضِ كِبارِ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ في الشامِ أبوابَ الطهارَةِ في الفِقْهِ الحَنَفِي؛ قال: فَمَكَثْنا فِيها نَحْوَ سِتَّةِ أشْهُر!؛ وقَدْ جاءَ الشيْخُ عَلى فُرُوعِها ودقائقِ مسائِلِها؛ فَلما فَرْغْنا مِنها قال لنا في المَجْلِسِ الأخير: والحَقَّ أقولُ لَكُمْ: إنَّهُ لا يَسَعُ الناسَ عَمَلِيًّا إلا أنْ يَعْمَلُوا في بابِ المِياهِ بِمَذهَبِ الإمامِ مالكٍ رَحَمَهُ الله؛ فإنهُ المُوافِقُ لِما جاءَ بهِ الشرْعُ مِنَ التَيْسِيرِ عَلى الناس. انتَهى.

وصدَقَ أثابَهُ الله، وقد قال تعالَى بَعْدِ ذِكْرِ التيَمُّمِ في كِتابِه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ... } ؛ وشَرْعُ اللهِ يُسْرٌ لا حَرَجَ فيهِ؛ وإنما الحَرَجُ في الأَقْوالِ التِي لا أثارَةَ عَلَيْها مِنْ عِلْم أَوْ دَلِيل؛ وإنّما يُريدُ بِها مُقَلِّدُ المذهَبِ أنْ يَنْتَصِرَ لِما هُوَ عَلَيْهِ!؛ فَيَحْشِدَ لأجْلِ ذلكَ كُلَّ ما وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ شَواذِّ الأَقْوالِ؛ وضِعافِ المَرْوِياتِ والآثارِ؛ بلْ مِنْ مُوضوعاتِ الأحاديثِ!؛ ويتَمَحَّلُونَ لَها بالتاويلاتِ المُسْتَغْرَبَةِ المُعْجِبَةِ؛ وطالِعْ إعلاءَ السُّنَنِ تَرَى مَعَ وفْرَةِ العِلْمِ مِنْ ذلكَ عَجَبًا، وإنَّنِي واللهِ لأسْتَغْرِبُ مِمَّنْ أوتِيَ هذا القَدْرَ مِنَ العِلْمِ ثُمَّ يَنْتَصِبُ لِرَدِّ كُلِّ ما خالَفَ مَذهَبَهُ؛ ويَتَحامَلُ عَلَى ابْنِ تَيْمِيَةَ وابِنِ حَزمٍ والشوْكانِيِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت