الصفحة 162 من 207

بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرّحِيم

(رَدُّ شُبْهَةٍ لبَعْضِ المعاصِرِينَ)

هل الجِهادُ فِي فِلَسْطِينَ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ؟.

رَقَمُ الفَتْوى: 100/ 23/1614

وَوَرَدَ إلَيْهِ مِن بَعْضِ الطَلَبَةِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي مَوضِعٍ كَلامًا لِبَعْضِ المَشايِخِ يَذكُرُ فِيهِ أنَّ العُلَماءَ مُنْذُ زَمَنٍ كانُوا عَلى قَوْلٍ واحِدٍ فِي حُكْمِ الجِهادِ؛ وأنهُ فَرْضُ كِفايَةٍ مَعَ ما يَقَعُ للمُسْلِمينَ فِي فِلَسْطِينَ؛ وأنَّ العُلماءَ كانُوا يُشاهِدُونَ مآسِيَهُمْ؛ ومعَ ذلكَ لَم يَصْدُرْ عنْ أحَدٍ مِنهُمْ أنَّ الجِهادَ فِي فِلَسطينَ فَرْضُ عَينٍ عَلى جَمِيعِ المُسلمِينَ!، وقَد استَمَرَّتِ العُلماءُ عَلى هَذا أمَدًا طَويلًا مِن زَمَنِ الشيخِ مُحمدِ بنِ إبْراهِيمَ رَحِمَهُ اللهُ فما بَعْدَهُ، ولَم يَقَعْ بَعْدَ وَاقِعَةِ فِلَسْطِينَ فِي بِلادِ الإسلامِ ما يَقْتَضِي تَغَيُّرَ هَذا الحُكْمَ، فَيُرْجَعُ إلَى الأمْرِ الأولِ عِنْدِ الاخْتِلافِ؛ كما رُوِيَ عن نُعَيْمِ بِن حَمّادٍ: إِذا فَسَدَتِ الجَماعَةُ فَعَلَيْكَ بِما كانتْ عَلَيهِ الجَماعَةُ قَبْلَ أنْ تَفْسُدَ؛ وإنْ كُنْتَ وحْدَكَ؛ فَإنّكَ أنْتَ الجَماعَةُ حِينَئِذٍ. انتهى. والأمْرُ الأَوَّلُ الذِي كانَ عَلَيهِ العلَماءُ فِي حَكْمِ الجِهادِ: أنهُ مِن فُرْوضِ الكِفاياتِ، فَهْلَ يَصِحُّ القَوْلُ المُذْكُورُ أمْ لا؟، وَإن قُلْتُمْ بَصَوابِهِ أو خَطَأِهِ فَما الدَلِيلُ؟، وجُزِيتُمْ خَيْرًا.

فَأجابَ: الحَمْدُ للهِ؛ وأَسْتَغْفِرُ اللهَ، أمّا بَعْدُ:

فإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن العُلَماءِ الذِينَ كانُوا عَلَى قَوْلٍ واحِدٍ فِي حُكْمِ الجِهادِ كافَّةَ عُلماءِ المسلمينَ؛ بِمَعْنَى الإجْماعِ؛ فَأيْنَ هَذا؟!؛ فإنَّ إجْماعَ مُجْتَهِدِي الأمَّةِ بَعْدَ وفاةِ رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ؛ عِنْدَ القائِلِينَ بإمْكانِ وقوعِهِ بِشُروطِهِ هُوَ الحُجَّةُ، وهذا لَمْ يَقعِ البَتَّةَ حَتَّى يُجْعَلَ حُجَّةً للقوْلِ بأنَّ الجِهادَ عَلى المُسلمينَ من فُروضِ الكفاياتِ معَ ما يَقعُ لأهْلِ الإسلامِ هُناكَ؛ ومَعَ مُضِّيِّ مُدَّةٍ مُتطاوِلَةٍ قارَبَتِ المائةَ عامٍ! عَلى وقوعِ تلكَ البلادِ تحَتَ حُكمِ النصارَى وإخْوانِهِم من اليَهُودِ، بل لا يُمْكِنُ وُقوعُ مِثْلِ هَذا الإجْماعِ البَتَّةَ، لأنَّهُ مُخالِفٌ لما دَلَّ عَلِيهِ الكِتابُ والسنَّةُ وإجْماعُ سَلَفِ الأمَّةِ، وأمَّةُ المسلمينَ لا تَجْتَمعُ عَلى ضَلالَةٍ.

ثُمَّ قَدْ كانَ من عُلَماءِ المُسْلِمينَ مَن أفْتَى بأنَّ الجِهادَ فِي فِلَسطِينَ من فُروضِ الأعْيانِ عَلى التفْصِيلِ المَعْرُوفِ، وهذا يُناقِضُ ما زَعَمَهُ القائلُ من الاتّفاقِ عَلى قَولٍ واحِدٍ فِي حُكْمِ الجِهاد:

فَمِنْهُ: فَتْوى لِجَماعِةٍ من عُلَماءِ الأزْهَرِ؛ صَدَرَتْ فِي عام (1947) بَعْدَ قَرارِ تَقْسِيمِ فِلَسطينَ الذِي أَيّدَتْهُ الجَمْعِيّةُ العُمومِيّةُ للأُمَمِ المُتّحِدَةِ فِي (29/ 11) من السنَةِ المذكُورَةِ، وقَدْ وجّهُوا فِيهَا نِداءً إلَى المُسْلِمينَ كافّةً بِوُجُوبِ الجِهادِ؛ ومِما جاءَ فِيهِ:

فَذُودُوا عَنِ الْحِمَى، وَادْفَعُوا الذّئابَ عَنِ العَرِينِ، وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقّ جِهَادِهِ، فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ... الآيَة.؛ .... .

يَا أَبْناءَ العُرُوبَةِ وَالإسْلامِ: خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتًا أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا؛ وَإِياكُمْ أَنْ يَكْتُبَ التّارِيخُ أَنّ العَرَبَ الأُبَاةَ الأَماجِدَةَ قَدْ خَرُّوا أَمَامَ الظُّلْمِ سَاجِدِينَ، أَوْ قَبِلُوا الذُلّ صَاغِرِينَ.

إِنّ الخَطْبَ جَلَلٌ، وَإِنّ هَذا اليَوْمَ الفَصْلُ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ، فَلْيَبْذُلْ كُلُّ عَرَبِيٍّ وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي أَقْصَى الأَرْضِ وَأَدْناها مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ مَا يَرُدُّ عَنِ الْحِمَى كَيْدَ الكَائِدِينَ وَعُدْوانَ الْمُعْتَدِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت