بسم الله الرحمن الرحيم
هل يلتزمُ مذهبًا في طلب العلمِ؟.
رقم الفتوى: 3/ 2 / 304
وسُئلَ عَنِ الطريقِ الأمْثَلِ في الطلَبِ: هلْ يَلْتَزِمُ الطالِبُ مذهَبًا مُعَيَّنًا مِن المذاهِبِ الأرْبَعَةِ، أمْ لا يَلْزَمَهُ ذلكَ؛ ويَسَعُهُ أنْ يَدْرُسَ مُتونَ الأحاديثِ وشَروحَها؟.
فأجابَ: الحَمْدُ لله؛ وبَعْد:
فَهذهِ المسْألَةُ مِن المسائلِ التي طالَ الكلامُ حَوْلَها بَيْنَ المُعاصِرينَ مِن طُلاَّبِ العِلْمِ خاصة، وكُنْتُ قدْ بَعَثْتُ حَولَها مِنْ نَحْو خَمْسِ سِنِينَ كِتابًا إلى شَيْخِنا الفقِيهِ أبِي المعالِي نَقِيبِ اللهِ الرِّباطِيِّ السلفِيِّ رَحِمَهُ الله؛ أستشيرُهُ في ذلكَ؛ وإنما خَصَصْتُهُ بهذا مِنْ بَينِ شُيوخِنا لأنَّهَ كانَ حَنَفِيًّا في أوئلِ الطلَبِ إلى أنْ تَخَرجَ واشتَغَلَ بتدْريسِ الفقهِ الحنفي؛ ثمَّ تَحولَ إلى طريقَةِ أهلِ الحديثِ؛ معَ تمَكُنِهِ من عُلُومِ الآلة؛ وذكَرْتُ لهُ في الكِتابِ محاسِنَ الطريقَتَينِ وما يَرِدُ على كُلٍّ مِنْهُما، ولَمْ يَصِلْنِي جَوابُهُ إلى وَفاتِهِ رَحِمَهُ الله.
والكلامُ في هذه المسْألَةِ فيهِ طُولٌ لا يُناسِبُ هذا المَوْضِع، لكنَّنِي أذكُرُ هنا خُلاصَةَ ما وَصَلْتُ إليهِ؛ وأتركُ الإفاضَةَ في بَحْثِهِ فِي كتابِي الذي وَضَعْتُهُ لبَيانِ طَريقِ الطلب.
لكنْ يَنْبَغِي التنبُّهُ أولًا إلى أنَّ المُقْصُودَ هُوَ البَحْثُ عنِ الجادَّةِ الأَقْوَمِ التي تَنْتَهِي بِسالِكِها إلى التمكُّنِ مِن العِلْمِ؛ لا أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ بِغَيرِها البتَّةَ، فإنَّ تَعَلُّمَ المسألَةِ الواحِدَةِ يُسَمَّى عِلْمًا؛ كما قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمِ لأبِيِّ بِنِ كعْبٍ: لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِر!؛ وكانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَدْ سألَهُ: أَيُّ آيَةٍ فِي كِتابِ اللهِ أعْظَمُ؟؛ فقالَ: آيَةُ الكُرْسي، والحديثُ رواهُ مسلمُ في الصحيحِ وأحمدُ في المُسْنَدِ وغَيرُهما.
وهذا دَليلٌ على شَرَفِ العِلْمِ؛ ومَشْرُوعِيَّةِ التهْنِئَةِ به؛ وأنَّ قليلَهُ لا يُقالُ لهُ قَليل، نَعم؛ والازْدِيادُ مِنهُ مَطْلُوبٌ؛ {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ؛ {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .
فلا يَرِدُ إذنْ ما يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُهُم مِنْ حصُولِ العِلْمِ لِمَنْ لَمْ يَسْلُكِ الجادَّةَ المُعْهُودَةَ عندَ سَلَفِ الأمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ تعالَى في الطلَب، لأنَّ العِلم تتفاوَتُ مراتبُهُ؛ والمُقْصُودُ حُصولُ أعلى المَراتِبِ مِنْ أيْسَرِ الطرُقِ وأبْعَدِها عَنِ الآفاتِ المُعَوِّقَةِ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ مِنه.
والذي أَخْتارُهُ مِن ذلك: هوَ جَمْعُ الطالِبِ بينَ طريقَين:
الأولِ: دِراسَةِ الفِقْهِ على مَذْهَبٍ من المذاهِبِ الأَرْبَعَةِ المعْرُوفِة؛ علَى شُيُوخِ ذلكَ المَذهَب؛ وحَبَّذا لَوْ كانَ مَذهَبَ شُيُوخِ بلَدِهِ، لأنَّ شَيُوخَ المذْهَبِ أدْرى به؛ قال الحافِظُ في الفَتْحِ (1/ 427) : وأصحابُ صاحِبِ المذهبِ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن غَيرِهم. انتهى. ولأنَّ مَعْرِفَتَهُ بِمَذهَبِ أهْلِ بلَدِهِ أعْونُ لهُ علَى دَعْوَتِهِمْ؛ وأبْلغُ أثرًا فيهم؛ وأقْرَبُ إلى تَناوُلِ ما يَسْتَجِدُّ من الحوادثِ والنوازِلِ بَيْنَهم.