الصفحة 155 من 207

بسمِ اللهِ الرحمن الرحيم

مَقاتِلُ الكُفارِ إنْ نَطَقَ بالشهادَتَينِ؟.

رقمُ الفَتوى: 56/ 20/3313

وكَتَبَ إلَيهِ سائلٌ يَقُول: بَلَغنا أنَّ مُقاتِلِي النّصارَى فِي أفْغانِستانَ يَتَواصَوْنَ بَيْنَهُمْ مَتَى خَشِيَ أَحُدُهُمْ أنْ يَتَعَرَّضَ للقَتْلِ علَى يَدِ مُجاهِدٍ فَليَقُل: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فإنَّهُمْ يكُفُّونَ عَن قِتْلِهِ، وهُم يحفَظونَ الشهادَتَينِ لأجْلِ ذلكَ!، فإنْ نَطَقَ بِها المُقاتِلُ مِنهم فَهَلْ يَجِبُ الكَفُّ عَنْهُ؛ أمْ يُقْتَلُ لأنَّ الظاهِرَ أنَّهُ قالَها خَوفًا مِن القَتْلِ؟؛ وهَلْ يُفَرَّقُ فِي ذلكَ بَينَ الواحِدِ مِنهُمْ إنْ كانَ عَظِيمَ النكايَةِ بالمُسْلِمينَ أو لَمْ يَكُنْ؛ أم الحكْمُ فِي الجَميعِ واحِد؟.

فَأجابَ: حامِدًا مُصلّيًا؛ أما بَعْدُ:

فالواجِبُ الكَفُّ عَنْ قائلِ ذلكَ مِنْ مُقاتِلَةِ الكُفارِ الأصْلِيّينَ قَولًا واحِدًا، سَواءٌ قالَها للغايَةِ المَذكُورَةِ أوْ لِغَيرِها، وسَواءٌ كانَ قَبلَ أنْ يَقُولَها عَظَيمَ النكايَةِ بأهْلِ الإسلامِ أمْ لا، ويَحْرُمُ قَتْلُهُ إنْ قالَها، ومَنْ قَتَلَهُ كانَ آثِمًا كإثْمِ مَن قَتَلَ مُسلِمًا، كما فِي الصحِيحِ وغَيرِهِ عَن الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِىِّ رضِيَ اللهُ عَنه؛ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِىِّ صلّى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنْ لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ يَدِى بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاَذَ بِشَجَرَةٍ وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ؛ آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟!؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: لاَ تَقْتُلْهُ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَىَّ! ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا؛ آقْتُلُهُ؟؛ قَالَ: لاَ تَقْتُلْهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ؛ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِى قَالَ. انتهى، ولذا ذكَرَ البخارِيُّ رَحِمهُ اللهُ تعالَى هَذا الحَديثَ فِي كتابِ الديّاتِ: باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} .

وكَونُهُم يتَواصَوْنَ بذلكَ لا أثَرَ لَهُ فِي الحكْمِ المذكُورِ، فإنّهُ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مَن يَقُولُ ذلكَ مِنهُم تَعَوُّذًا ومَن يَقُولُهُ مُرِيدًا للإسلامِ مِن قَلْبِهِ، ولا سَبِيلَ إلاّ الاطلاعِ علَى ما فِي القُلُوبِ؛ فَعُلِّقَ الحُكْمُ بالظاهِرِ، كما فِي حَدِيثِ أسامَةَ المَشهُورِ: يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟!؛ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ!.

وأَيْضًا فَفِي الإمساكِ عَنْهُم تَحْصِيلُ مَصْلحَةٍ ودَفْعُ مَفْسدَةٍ، أما المَصْلَحَةُ: فَرَجاءُ إسلامِهِمْ، فإنَّهُ وإنْ قالَها تَعُوُّذًا فأمْسكْتَ عَنهُ!؛ حَملَهُ ذلكَ علَى السؤالِ عن سِرِّ هذهِ الكَلِمَةِ التِي تُعْصَمُ بِها الأنْفُسُ والدّماءُ!، فإنْ انْضافَ إلَى ذلكَ إحْسانُ مُعامَلِتِهِمْ بَعْدَ الأسْرِ كما أمَرَ اللهُ تعالَى؛ كانَ هذا حامِلًا لَهُم علَى الدخُولِ فِي الإسلامِ، وهذهِ هِي الغايَةُ مِن الجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ.

وأمّا المَفْسَدَةُ - سِوى مُخالَفَةِ الشرْعِ - فإنَّهُ إنْ قُتِلَ مَعَ قَولِهِ ذلكَ؛ كانَ هذا حامِلًا للمُقاتِلِ مِنْهُمْ علَى الإصْرارِ علَى القِتالِ والاسْتِبْسالِ فِيهِ؛ لأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ لاَ مَحالَةَ؛ سواءٌ اسْتَسلمَ لنا أم لا؛ لَم يَتْرِكِ القِتالَ حَتّى يُقْتَلَ، وفِي ذلكَ زِيادَةُ ضَرَرٍ بأهْلِ الإسلامِ، فَوقَ ما فِيهِ مِن تَنْفِيرِ مَن يُرِيدُ الإسلامَ مِنْهُمْ عَن دَعْوَتِهِ.

والواجِبُ على المُسلِمِ أن يَقِفَ عِندَ حُدُودِ اللهِ تعالَى فِي كُلِّ ما يأتِي وما يَذَرُ، والجِهادُ دَعْوَةٌ ورِسالَةٌ شَرِيفَةٌ سامِيَةٌ فِي الشرْعِ؛ ولَيسَت إراقَةُ الدماءِ وإزْهاقُ الأنْفُسِ من مَقاصِدِ الشرْعِ الكرِيمِ، وإنّما الغايَةُ إخْضاعُ الناسِ لسْلطانِ الشرْعِ وأحْكامِهِ، ولذا حَرُمَ قَتْلُ الذمّيِّ والمعَاهِدِ والمُسْتَامِنِ، وخُصَّ القِتالُ بالكافِرِ المُحارِب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت