إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين )) ، (1) وفي رواية عمرو بن
دينار أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب يقول: (( من لم يجد إزارًا ووجد سراويل فليلبسها ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما ) )قلت: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا. (2)
فليس في هذا الحديث الأمر بقطع الخفين، ولذلك فقد اختلف الفقهاء في طريقة دفع التعارض بين هذين الحديثين وذكر الشوكاني هذه الأقوال، ثم قال: (( والحق أنه لا تعارض بين مطلق ومقيد لإمكان الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد والجمع ما أمكن هو الواجب فلا يصار إلى الترجيح، ولو جاز المصير إلى الترجيح لأمكن ترجيح المطلق بأنه ثابت من حديث ابن عباس وجابر كما في الباب، ورواية الاثنين أرجح من رواية واحد ) ). (3)
فالخلاصة أن الشوكاني رحمه الله يرى أنّ حديث ابن عباس مطلق وحديث ابن عمر مقيّد، فيُحمل المطلق على المقيّد، فيجوز للمحرِم لبس الخفين إذا لم يجد نعلين بشرط قطع الخفين بحيث يكونا أسفل من الكعبين.
وهذه المسألة - في نظري - من أوضح المسائل على اتباع الشوكاني رحمه الله مذهب الجمهور في البدء في دفع التعارض بالجمع ثم الترجيح ثم النسخ، فإنّ الحديثين المتقدِّمين مما عُرف تاريخ كلٍ منهما، فحديث ابن عمر رضي الله عنهما كان في المدينة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما كان في عرفات، فحديثه متأخر عن حديث ابن عمر، ولذلك قال الشوكاني نفسُه: (( وهذا بظاهره ناسخ لحديث ابن عمر بقطع الخفين؛ لأنه قال بعرفات
ــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري كتاب اللباس باب السراويل (5804) ، ومسلم كتاب الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (1178) .
(2) رواه أحمد (1/ 228) .
(3) نيل الأوطار 5/ 5.