فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 13

وهذا الأدب في الفتيا له من الأهمية القصوى في عصرنا الحاضر القدر العظيم، وذلك أن كثيرًا من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات كافرة أومنحلة لا تراعي القيم والثوابت الاسلامية، فتغزو مجتمعنا بكل قوة مؤثره ومغرية كحال كثير من المستجدات في العقود المالية وغيرها ولعل التأمين مثال حيٌّ لها.

فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقر ما هو مقبول مباح شرعًا ويمنع ما هو محظور أو محرم مع بيانه لحكمة ذلك المنع وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعًا حماية للدين وإصلاحًا للناس. وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل.

كما قال ابن القيم رحمة الله:"من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسّد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه، فمثالة من العلماء: مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان."

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (17) وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم" (18) "

إن البحث عن البديل المباح عند المنع من المحظور هو مهمة العالم الثقة وإذا لم يقم بهذا الدور العظيم فلربما يُعتلى من قبل خلاق لهم في العلم أو الورع فيسيروا بهم نحو الانحلال هروبًا من العنت والحرج زعموا.

وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثورى رحمة الله:"إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد" (19)

5 -حكم الحاكم يرفع الخلاف

قال الزركشي رحمه الله:"قالوا حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف، وهذا مقيد بما لا ينقض فيه حكم الحاكم، أما ينقض فيه فلا" (20) ومدار نقض الحكم على تبين الخطأ، والخطأ إما في اجتهاد الحاكم في الحكم الشرعي حيث تبين النص أو الاجماع أو القياس الجلي بخلافه ويكون الحكم مرتبًا على سبب صحيح، وإما في السبب كأن يكون الحكم مرتبًا على سبب باطل كشهادة الزور مثلًا.

والتأمين التعاوني الإلزامي فيه خلاف قوي بين العلماء فلماذا لا يترجح جوازه بناءً على ترجيح الحاكم له والإلزام به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت