عم قوم نوح الغرق، وأهلكت عاد الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقُلِبَتْ على قوم لوط ديارهم، وجعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، فساء مطر المنذَرين.. (( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [العنكبوت:40] .
إنها الحقيقة التي لا تتبدل ولا تتغير، تلكم الذنوب وتلك عواقبها، وما هي من الظالمين ببعيد، ما ظهرت المعاصي في ديار إلا أهلكتها.. ولا تمكنت من قلوب إلا أعمتها.. ولا فشت في أمة إلا أذلتها.. فلا تفارقها حتى تذر الديار خوالي بلاقع.
بالمعاصي يهون العبد على الله: (( وَمَنْ يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) ) [الحج:18] .
قال الحسن: «هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم» وعن جبير بن نفير لما فتحت قبرص: «رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة لعدوها ظاهرة لها الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى» رواه أحمد في الزهد بسند صحيح.
ومن مارس الذنوب تولَّد في قلبه الاستئناس بها، فتهون عليه وتصغر في عينيه، قال أنس: «إنكم تعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات) رواه البخاري.
قال ابن سيرين -كما عند الدارمي-: «أرى جر الإزار من ذلك» ، وهذا بخلاف المؤمن فإن ذنوبه تعظم عنده كما قال ابن مسعود: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال بيده هكذا...» رواه البخاري.