وقد كان محمد علي متواطئًا مع الفرنسيين عند احتلالهم للجزائر، حتى لقد هم - بعد أن جاءته الأوامر بالطبع - أن يقوم بنفسه باحتلال الجزائر خدمة للفرنسيين وعملًا لحسابهم الخاص، إلا أن أسياده رفضوا تلك الفكرة التي تهيج المسلمين وتثيرهم بعد أن ينكشف أمر عمليهم؛ لذا بادروا إلى إلغائها، واكتفى محمد علي بتزويد الفرنسيين في الجزائر بالغلال. الشرق الإسلامي (ص 311) .
وبعد: فهذه وقفة مع واحد ممن حكموا المسلمين فترة طويلة وعملوا على القضاء على مظاهر هذه العقيدة بشكل مباشر في سياسة العسف والإرهاب، وبشكل غير مباشر اتخذ التغريب له مسارًا، وإن كان الشكل الثاني كانت له آثار بعيدة المدى، على عكس الأول الذي ما زاد هذه العقيدة في نفوس المسلمين إلا رسوخًا، واستحق بذلك جد الأسرة العلوية أن يكون رائد التغريب الأول في العالم الإسلامي، وعلى رأس من لجوا في موالاة الكافرين، وأمعنوا في اتباعهم و سعوا في تقويض هذه العقيدة العظيمة بكل ما أوتوه من وسائل القوة التي كانوا يملكونها.
أما أولاد الباشا وأحفاده من بعده، فقد ظلوا يتعاهدون ما غرسه لهم والدهم وجدهم من غراس التغريب والعلمنة، ويسيرون في نفس الطريق التي مهدها أمامهم ويتسابقون إلى كسب ولاء الغرب وخطب وده.
يقول الأستاذ محمد قطب: كان محمد علي وأبناؤه حتى الخديوي إسماعيل عند حسن ظن فرنسا بهم فأسسوا للنفوذ الفرنسي في مصر .. حتى جاء توفيق فتغير الربان الذي يمسك بالدفة ولكن لم يتغير الاتجاه. واقعنا المعاصر (ص 215) .
ولعل من الإنصاف أن نذكر أن ثالث الولاة من أسرة محمد علي بمصر وهو عباس باشا بن طوسون بن محمد علي الذي تولى الحكم بعد وفاة عمه إبراهيم باشا أواخر سنة (1264هـ) كان كما يقول المؤرخون: شديد الكره للأوروبيين، حذرًا من دسائسهم، أنجد الدولة العثمانية بخمسة عشر ألف مقاتل في حربهم مع الروس المعروفة بحرف القرم، وقام بنفي السحرة والدجالين والمشعوذين إلى السودان، وأخذ عليه إغلاق كثير من المعاهد والمدارس لعله رأى في ذلك وضع حد للنفوذ الأوربي، مات مقتولًا سنة (1270هـ) واختلف في سبب قتله، ولا يستبعد أن يكون الأوربيون وراء ذلك نتيجة لموقفه منهم. انظر: الأعلام للزركلي (3/ 261) .
ومما قاله عباس باشا عن جده محمد علي: لقد كان جدي يعتقد أنه حاكم مطلق، وقد كان كذلك بالنسبة لنا وبالنسبة لخادميه ولأطفالنا، غير أنه كان مستعبدًا للقناصل العموميين. انظر: الوهم والحقيقة في الفكر المصري الحديث (ص 184) .