من مهاجمة الدولة، وفي الوقت ذاته ضمنت له الاستقلال الفعلي عن الدولة، والاستئثار بحكم مصر حكمًا وراثيًا ينتقل في ذريته، مع التبعية الاسمية للسلطان!! هذا بينما تجمعت أوربا الصليبية كلها لتحطم محمد علي في معركة نافارين لأنه نسي نفسه وتجرأ على مهاجمة دولة صليبية هي اليونان، فقد كبرته الصليبية وسلحته لمحاربة الإسلام فقط، فإذا فعل ذلك فله كل العون، وأما إذا هاجت أطماعه لحسابه الخاص، فمس أحد الصليبيين بسوء، فنها يجب تأديبه، بل تحطيمه تحطيمًا كاملًا إذا لزم الأمر. أنظر واقعنا المعاصر (ص 207) .
على أن الجرم العظيم الذي تولى كبره محمد علي باشا هو قيامه بضرب الاتجاه الإسلامي السلفي في الجزيرة العربية بطاعة السلطان العثماني الذي فقد السيطرة على بلاد الحرمين الشريفين، واخذ من ذلك ستارًا لتنفيذ مخططات بريطانيا وفرنسا اللتين رأتا الوجود السعودي يشكل خطرًا مصالحها، خصوصًا في الخليج العربي والبحر الأحمر. انظر: قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين (ص 189) .
وقد كان على رأس تلك الجيوش التي وجهها محمد علي ضباط فرنسيين وبعض النصارى. نفس المصدر (ص 187) .
وقد سرّت فرنسا بذلك العمل الحربي المدمر، و كذلك بريطانيا وأبلغت فرنسا محمد علي عن طريق قنصلها في القاهرة أنها ممنونة مما رأته من اقتداره على نشر أعلام التمدن في البلاد الشرقية. انظر: الخطط التوفيقية (10/ 177) ومن ذلك بالطبع ضرب الاتجاه السلفي في الجزيرة العربية.
أما تغريب العالم الإسلامي فقد عمل محمد علي على تحقيقه بفرض سياستين تغريبيتين، كانت الأولى تقضي بابتعاث الطلاب الشبان وإرسالهم إلى أوربا لتعلموا هناك.
وكان هذا - كما يقول الأستاذ محمد قطب - أخطر ما فعله في الحقيقة .. لأنه من هناك بدأ الخط العلماني يدخل ساحة التعليم، ومن ورائه ساحة الحياة في مصر الإسلامية .. وقد كان من هؤلاء المبتعثين الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي إمام إحدى البعثات وشيخها، والذي عاد حاملًا معه بذور التغريب والعلمنة كالدعوة إلى تحرير المرأة، وأخذ يسهم في زعزعة عقيدة الولاء و البراء بإغراقه في مديح أوربا الكافرة والثناء عليها في كتب كثيرة لعل من أبرزها كتابه في مدح باريس. انظر: واقعنا المعاصر (ص 207، 209) .
وقد كاد أن يتم إرسال أطفال بين الثامنة والتاسعة إلى أوربا، واشترط نوبار باشا وهو سكرتير إبراهيم باشا ولي عهد محمد علي و نجله الأكبر أن يفصل بعضهم عن بعض في المعيشة أو يوضع كل اثنين في غرفة صغيرة. انظر: تاريخ