ولم يتوقف اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - على مَن كان خارج المدينة، بل اجتهدوا داخل المدينة وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن صفوان بن سليم - رضي الله عنه: (( لم يكن يفتي في المسجد زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير هؤلاء: عمر، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى ) ) (1) . ومن هذا الاجتهاد:
تحكيم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في بني قريظة باجتهاده فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لقد حكمت بحكم الله أو حكم الملك) (2) .
عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين فذكر قصته في قتله القتيل وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قتل قتيلًا فله سلبه,… فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه عنّي، فقال أبو بكر جوابًا؛ لهذا القائل: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال - صلى الله عليه وسلم: صدق) (3) فإن الظاهر أن هذا من أبي بكر - رضي الله عنه - بالاجتهاد, وهو بحضرته,وقد صوبه - صلى الله عليه وسلم - بتصديقه له في ذلك (4) .
ثانيًا: التدريج في التشريع:
(1) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 389، وغيرها.
(2) في صحيح البخاري 3: 1384، وصحيح مسلم 3: 1389، وصحيح ابن حبان 15: 496.
(3) في صحيح البخاري 3: 1144، وصحيح مسلم 3: 1371، وغيرهما باختصار.
(4) ينظر: تفصيل مسألة اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في التحرير ص528، والتقرير والتحبير 3: 301-303، والبحر المحيط 8: 255-264، وغيرها.