لكن لو نظرنا نظرةً إيجابية لرد الراهب: ليس لك توبة . فهذا يدل على مسألة مهمة . وهي أنّ الإنسان كلما أكثر من عبادة الله ازداد تعظيمًا لله .. فهذا الراهب ما قال ذلك إلا لتعظيمه لله ، وكثرةُ عبادته هي التي زادت من تعظيمه لربه . كون الراهب قال: لا توبة لك، هذا خطأ. لكن تأمل في سبب هذا الخطأ.. سببه شدة تعظيمه لله، وإنما أورثه ذلك كثرة عبادته. مع تأكيدنا على خطئه .
ولذلك أيها الإخوة قد نجد كثيرًا من الشباب تصعب عليهم التوبة من بعض الذنوب .. كأن يكون الواحد منهم على علاقة عاطفية آثمة بالفتيات ، فتجده منزعجًا لهذه المعصية ولكنه لا يقدر على مفارقة سبيلها .. أتدري ما هي النصيحة التي ينبغي أن تقدم لمثل هؤلاء الشباب ؟ إنهم على خير عظيم.. ولولا ذلك لما لامتهم أنفسهم وأنبهم ضميرهم.. فهذا يدل على خير عظيم بنفوسهم .. ولكن النصيحة التي ينبغي أن توجه إليهم أن يجتهدوا في الطاعة، كلما أوغلوا في طريقها سهل عليهم أن يتخلصوا من هذه الآثام .
إنّ هذا الرجل أراد الله به خيرًا .. انظروا كيف أنه ما زال يحدث نفسه بالتوبة حتى بعدما قتل الراهب وأكمل به المائة .. سبحان الله، إن هذا مما يؤكد قول الله تعالى: { وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ } [يونس:107] .
وفي وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فدل على راهب» قد يُستفاد منه -كما أشار ابن حجر رحمه الله - أنّ هذه القصة وقعت بعد رفع عيسى عليه السلام، فالرهبانية إنما ابتدعها أصحابه ، كما في سورة الحديد: { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } .
وأشار ابن حجر أيضًا إلى قلة فطنة الراهب، لأنه علم أنّ القتل عند ذاك الرجل كشرب الماء، فكان عليه أن يحتاط لنفسه؛ لئلا يصاب بسوء .. ولكني أعود لأقول ثانية: وهو كذلك، ولكنها كما دلت على ذلك دلت أيضًا على أنّ كثرة العبادة تورث شجاعة بحيث لا يخشى الإنسان إلا من الله تعالى.