إنّ جريجًا هذا يذكرنا بفعل الربيع بن خثيم ، فقد حاولت بغي إغراءه في مكان لم يضمَّ غيرَهما، فلم يعبأ بها ، وقال لها في نفسها قولًا بليغًا ، فكان سببًا لتوبتها . إن من عباد الله من يرد امرأة جاءت إليه راغبةً فيه؛ لخوفه من الله ، ومنهم من يسعى بنفسه إلى مقارفة الفواحش ويبذُلُ لذلك كل جهده .. فيا بعد ما بينهما .
إنَّ التبين والتريث والتثبت أمر دلت هذه القصة على أهميته ، ولو كان في قائمة أخلاقهم لما ضُرب جريج ظلمًا .. كان الأحرى أن يتبينوا منه قبل أن يقدموا على حماقاتهم هذه . ولقد نزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبره بما فعل حاطب لما تحرك جيش الإسلام لفتح مكة فاستدعاه وقال له: « ما حملك على ما صنعت» وهو رسول الله يُوحى إليه . إنه لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله كما قال رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - .
من اللطائف التي تستفاد: أنّ مما يعين على العبادة أن تتخذ لها مكانًا بعيدًا عن الناس ؛ لئلا ينشغل المرء بهم .
وفيها إثبات الكرامة وأنها كانت في الأمم السابقة .
وفيها أنّ الكلام في الصلاة لم يكن محرمًا عندهم لقول جريج في صلاته: اللهم أمي وصلاتي . ولم يكن حرامًا في ديننا في بداية الأمر حتى نزلت الآية: { وقوموا لله قانتين } .
وفي القصة معنى قوله تعالى عن المنافقين: { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } ، أُخذت من تذاكرهم لعبادة جريج .
وفيها الاستعانة بالصلاة كما قال رب العالمين: { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } ؛ فإن جريجًا لما جيء له بالغلام طلب أن يصلي قبل أن يسأله .
وفيها معنى: { ويمكرون ويمكر الله }
وفيها أنّ التمسح والتبرك بالصالحين فعل من لا يقتدى بفعله ، فالذين أخذوا في ضربه هم من فعل ذلك ، ألا وإن التبرك بالصالحين ذريعة إلى الشرك وبدعة في الإسلام ، وليس من أحد يتبرك به إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .