ومفتاحا لطرائق النظر، وتفسيرا لجمل السنن المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحدا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرئوا أنفسهم منه، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح وهو المصيب لحظه والمعاين لرشده، والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته -رضي الله عنهم- ومن أعف نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا وعارض السنن برأيه ورام أن يردها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله -أيضا- وتقحم في الفتوى بلا علم فهو أشد عمى وأضل سبيلا:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
وقد علمت أنني لا أسلم من جاهل معاند لا يعلم:
ولست بناجٍ من مقالة طاعن ولو كنت في غار على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر
واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة، بل السنة عيار عليه، ومن جهل الأصل لم يصل الفرع أبدا.
-وقال ابن وهب: حدثني مالك، أن إياس بن معاوية قال لربيعة: إن الشي إذا بني على عوج لم يكد يعتدل.
قال مالك: يريد بذلك المفتي الذي يتكلم على أصل يبني عليه كلامه.
-قال أبو عمر: ولقد أحسن صالح بن عبد القدوس حيث يقول:
يا أيها الدارس علما ألا تلتمس العون على درسه
لن تبلغ الفرع الذي رمته إلا ببحث منك عن أسه
-ولمحمود الوراق:
القول ما صدقه الفعل والفعل ما صدقه العقل