""""""صفحة رقم 35""""""
قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَمِنْ النُّصْحِ الْوَاجِبِ أَنْ لا يَرْضَى بِمَعْصِيَةِ الْعَاصِي وَيُحِبَّ طَاعَةَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
قُلْت: وَلَوْ كَانَ هُوَ الْعَاصِي يَجِبُ عَلَيْهِ كَرَاهِيَةُ الْمَعْصِيَةِ .
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ ( يَجِبُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ الْكَأْسُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْجُلاسِ ) إلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فَبِأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ، وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ ، وَيُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ، وَيَرْحَمَ صَغِيرَهُمْ ، وَيُوَقِّرَ كَبِيرَهُمْ ، وَيَحْزَنَ لِحُزْنِهِمْ ، وَيَفْرَحَ لِفَرَحِهِمْ ، وَإِنْ ضَرَّهُ ذَلِكَ فِي دُنْيَاهُ كَرُخَصِ أَسْعَارِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَوَاتُ رِبْحِ مَا يَبِيعُ مِنْ تِجَارَةٍ ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَضُرُّهُمْ عَامَّةً ، وَيَجِبُ صَلاحُهُمْ وَأُلْفَتُهُمْ وَدَوَامُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ ، وَنُصْرَتُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ .
وَدَفْعُ كُلِّ أَذًى وَمَكْرُوهٍ عَنْهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَتَضَمَّنُ قِيَامَ النَّاصِحِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ بِوُجُوهِ الْخَيْرِ إرَادَةً وَفِعْلا .
3 ( مطلب بَيَانُ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) 3
فَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ تَوْحِيدُهُ وَوَصْفُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلالِ ، وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا يُضَادُّهَا وَيُخَالِفُهَا وَيَجْتَنِبُ مَعَاصِيَهُ ، وَيَقُومُ بِطَاعَتِهِ وَمَحَابِّهِ بِوَصْفِ الإِخْلاصِ وَالْحُبِّ فِيهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ ، وَجِهَادُ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَمَا ضَاهَى ذَلِكَ ، وَالدُّعَاءُ إلَى ذَلِكَ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ .
وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ الإِيمَانُ بِهِ ، وَتَعْظِيمُهُ وَتَنْزِيهُهُ ، وَتِلاوَتُهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، وَالْوُقُوفُ مَعَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، وَتَفَهُّمُ عُلُومِهِ وَأَمْثَالِهِ وَتَدَبُّرُ آيَاتِهِ ، وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ ، وَذَبُّ تَحْرِيفِ الضَّالِّينَ وَطَعْنِ الْمُلْحِدِينَ عَنْهُ .
والنصيحة لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) قريب من ذلك الإيمان به وبما جاء به ، وتوفيره وتبجيله ، والتمسك بطاعته ، وإحياء سنته ، واستنشاره علومها ونشرها ، ومعاداة من عاداه وعاداها ، ومولااة من والاهمان والتخلق بأخلاقه ، والتأدب بآدابه ، ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك .
والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق ، وطاعتهم فيه ، وتذكيرهم ونهيهم في رفق ولطف ، ومجانبة الثوب عليهم ، والدعاء لهم بالتوفيق .
والنصيحة لعامة المسلمين وإرشادهم إلى مصالحهم ، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم ، وستر عوراتهم ، وسد خلاتهم ، وسد روعاتهم ، ومجانبة الغش والحسد لهم .
قال الحافظ ابن رجب: ومن أنواع نصحهم تعليم جاهلهمن ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق ، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه كما قاله بعض السلف: وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن نحمي قرض المقاريض .