""""""صفحة رقم 33""""""
ثَالِثُهَا حُسْنُ الْفَهْمِ . رَابِعُهَا الْحِفْظُ ، خَامِسُهَا التَّعْلِيمُ سَادِسُهَا وَهِيَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلُ بِهِ وَمُرَاعَاةُ حُدُودِهِ . وَحِرْمَانُ الْعِلْمِ يَكُونُ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا تَرْكُ السُّؤَالِ .
الثَّانِي سُوءُ الإِنْصَاتِ وَعَدَمُ إلْقَاءِ السَّمْعِ . الثَّالِثُ سُوءُ الْفَهْمِ . الرَّابِعُ عَدَمُ الْحِفْظِ .
الْخَامِسُ عَدَمُ نَشْرِهِ وَتَعْلِيمِهِ ، فَمَنْ خَزَّنَ عِلْمَهُ وَلَمْ يَنْشُرْهُ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِنِسْيَانِهِ جَزَاءً وِفَاقًا .
السَّادِسُ عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ يُوجِبُ تَذَكُّرَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَمُرَاعَاتَهُ وَالنَّظَرَ فِيهِ ، فَإِذَا أَهْمَلَ الْعَمَلَ بِهِ نَسِيَهُ .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ بِهِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلا ارْتَحَلَ ، فَمَا اسْتَدَرَّ الْعِلْمُ وَاسْتُجْلِبَ بِمِثْلِ الْعَمَلِ بِهِ .
فَإِنْ قُلْت: قَوْلُ النَّاظِمِ لِيَصْغَ إنْ كَانَ مِنْ صَغَى بِمَعْنَى مَالَ بِقَلْبِهِ فَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْغَى بِمَعْنَى اسْتَمَعَ فَكَيْفَ يَكُونُ الاسْتِمَاعُ بِالْقَلْبِ مَعَ أَنَّ السَّمْعَ وَالاسْتِمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالأُذُنِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الاسْتِمَاعَ إلْقَاءَ السَّمْعِ ، وَالإِلْقَاءَ الَّذِي هُوَ قَصْدُ الاسْتِمَاعِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ .
وَأَيْضًا فَبَيْنَ الأُذُنِ وَالْقَلْبِ تَمَامُ الارْتِبَاطِ ، فَالْعِلْمُ يَدْخُلُ مِنْ الأُذُنِ إلَى الْقَلْبِ ، فَهِيَ بَابُهُ وَالرَّسُولُ الْمُوصِلُ إلَيْهِ الْعِلْمَ ، كَمَا أَنَّ اللِّسَانَ رَسُولُهُ الْمُؤَدِّي عَنْهُ .
وَمَنْ عَرَفَ ارْتِبَاطَ الْجَوَارِحِ بِالْقَلْبِ عَلِمَ أَنَّ الأُذُنَ أَحَقُّهَا بِالارْتِبَاطِ مِنْ جِهَةِ الإِيصَالِ إلَى الْقَلْبِ بِهِ ، فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالُ لِلْقَلْبِ اسْتَمَعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
3 ( مطلب النَّصِيحَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ) 3
وَيَقْبَلُ نُصْحًا مِنْ شَفِيقٍ عَلَى الْوَرَى
حَرِيصٍ عَلَى زَجْرِ الأَنَامِ عَنْ الرَّدَى
( وَيُقْبَلُ ) قَبُولَ طَاعَةٍ وَإِذْعَانٍ وَانْقِيَادٍ وَعِرْفَانٍ ( نُصْحًا ) مَفْعُولُ يُقْبَلُ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: النَّصِيحَةُ تَشْمَلُ خِصَالَ الإِسْلامِ وَالإِيمَانَ وَالإِحْسَانَ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثًا ، قُلْنَا لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ ، وَلِكِتَابِهِ ، وَلِرَسُولِهِ ، وَلأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) .
وَذَكَرَ الإِمَامُ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ أَنَّ حَدِيثَ النَّصِيحَةِ أحَدُ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْفِقْهُ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ: هَذَا حَدِيثٌ لَهُ شَأْنٌ .
ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ أَنَّهُ أَحَدُ أَرْبَاعِ الدِّينِ .
وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ ( مَنْ لا يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُمْسِ وَيُصْبِحْ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ ) .