فهناك من له سلف كرام معروفون في العلم والفضيلة والمعالي؛ وبدلًا من أن يسلك سبيلهم ويسير على نولهم تجده عظاميًا يفتخر بعظام آبائه الكرام ولو لم يبلغ مثلهم.
وما أجمل قول من قال:
إن لم تكن بفعال نفسك ساميًا ... لم يغن عنك سمو من تسمو به
8-عدم استشارة العقلاء العالمين:
فالشورى أمرها عظيم، وشأنها جليل؛ فلقد نوه الله بذكرها وأثنى على المؤمنين بقيامهم بها، فقال تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } .
ولذلك فالعاقل اللبيب ذو النظرة الثاقبة لا يستبد برأيه، ولا يعتد بنفسه بحيث يقوده ذلك إلى ترك المشورة؛ بل إنه يشاور أهل العقول السليمة، والتجارب السالفة، ممن يجمعون بين العلم والعمل، والنصح والديانة؛ فبالمشورة تشحذ القريحة، وتتلاقح الفِكَرُ، وتنمى المعارف، وتقوى الأواصر بين المتشاورين. والشورى تنفي عن العبد الغرور، والإعجاب بالنفس، وتفتح له الأبواب، وتزيل عنه الحيرة والاضطراب.
وأخيرًا أخيه:
آن لك بعد هذه الوقفات أن تنطلقي نحو نفسك بالإصلاح، ونحو أهلك بالتربية، ونحو مجتمعك بنشر الفضيلة وتأصيل الخير.
ولا أشك أنك محبة وساعية لنيل الدرجات، وما ذكرتُ من خصال تحتاج منك إلى صبر ومجاهدة، وتكرار المحاولة مرة وأخرى؛ فإن النفس تحتاج إلى تقويم وتزكية؛ ولا يأتي هذا إلا بعد طول صبر وممارسة؛ فما الحلم إلا بالتحلم، وما الصبر إلا بالتصبر، لكن الهدف سامٍ والمطلب غالٍ، وتربية النفس طريق طويل يعين الله فيه من أخلص النية وأصلح السريرة واتبع السنة.
والأعمال كثيرة والأبواب مفتوحة والنفوس مقبلة تبحث عن ذاك الذي يذل نفسه لله ويأخذ من وقت راحته؛ إنه يسارع دون مطلب، يقوم من غير سؤال، يستثمر الفرص في رحلة طويلة إلى جنة عرضها السموات والأرض.
نسأل الله أن يجعلنا من مفاتيح الخير بغير حساب، ولا عذاب، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
المراجع
مدارج السالكين ... ... لابن القيم