إن العلاقة بين الأدب في التعامل مع الخلق وحسن الخلق علاقة واضحة لا ريب فيها.
أما الأدب مع الخلق فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب، ومن المراتب أدب خاص:
فمع الوالدين: أدب خاص، وللأب منهما أدب خاص به.
ومع العالم: أدب آخر.
ومع السلطان: أدب يليق به.
ومع الأقران: أدب يليق بهم.
ومع الأقران: أدب يليق بهم.
ومع الأجانب: أدب غير ما مع أصحابه وذوي أنسه.
ومع الضيف: أدب غير أدبه مع أهل بيته.
ولكل حال أدب: فللأكل آداب، وللشراب آداب، وللركوع والدخول والخروج والسفر، والإقامة، وللنوم آداب، وللكلام آداب، وللسكوت والاستماع آداب.
وآداب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.. فانظر إلي الأدب مع الوالدين: كيف نجا صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليه الصخرة!!. والإخلال به مع الأم - تأويلا وإقبالا على الصلاة - كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة!! وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب ساقته إلى الحرمان.
ويقول سعد بن المسيب في قوله تعالى: { وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } : قول العبد لسيده: { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } تعبير يشف ويلطف، ويبلغ شفاف القلب وحنايا الوجدان؛ فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عنا، ولا يرفض أمرًا، ونبي الله عليه السلام الأنموذج العالي لبر الوالدين.
ويقص علينا في القرآن الكريم موقف الذبيح مع أبيه خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } .