الصفحة 9 من 22

مما يجب على الأفراد في الجماعة من حقوق الأمير عليهم تعزيره [1] وتوقيره؛ فعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خمسٌ من فعل واحدةً منهن كان ضامنًا على الله -عز وجل-: من عاد مريضًا أو خرج مع جنازةٍ أو خرج غازيًا أو دخل على إمامه يريد تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته فَسِلَم الناس منه وسَلِمَ من الناس" [2] .

قال صاحب العمدة: [وإهانة ولي الأمر قد تكون بعصيان أوامره والاستخفاف بها، أو بالسخرية من الأمير بالقول والغمز واللمز، أو بوصفه بصفةٍ خُلُقيةٍ أو خَلْقيةٍ فيه تدعو للاستخفاف به، أو بمدح غيره بما فيه تعريضٌ بالذم لهذا الأمير، أو تشجيعٌ للآخرين على إهانة الأمير وعصيانه، وعمومًا يدخل في الإهانة كل ما فيه انتقاصٌ لقدر الأمير وتجريحه .. فقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بطاعة الأمير وإن كان عبدًا حبشيًا مُجَدَّعَ الأطراف ... فمن أقدم على إهانة الأمير فقد تعرض لإهانة الله له في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالعذاب. وعن أبي بَكْرَة قال:"من أَجَلَّ سلطان الله أجلّه الله يوم القيامة"[3] ؛ وهذا ينطبق على كل من تولى إمارةً على غيره إذ أنه أميرٌ بحكم الشريعة ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيره يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان) .

تنبيه: ولا يَظُنَّ أحد أننا بدعوتنا الرعية إلى توقير الأمير ندعو بذلك إلى تقديسه، وإنما ندعو إلى الوسط كما هي دعوة الإسلام في كل أمر، فتوقير الأمير وسَط بين تفريطٍ وإفراط؛ فأما التفريط فهو إهانة الأمير التي وردت السنة بالنهي عنها والوعيد عليها، وذكرنا بعضَ صور الإهانة فيما سبق .. وأما الإفراط في توقير الأمير فهو أيضا منهي عنه ومذموم؛ ومن صوره السكوت عن منكرات الأمير، وأدهى من ذلك تبريرُ منكراته وتأويلها على وجه حسن، والمغالاةُ في مدحه، وخلعُ ما لا يجوز من الصفات عليه، فتوقير الأمير ليس مقصودا لذاته، بل من أجل المحافظة على وحدة الجماعة المسلمة، وهذا مقصد شرعي وسد لذريعة العصيان والشقاق] . (انتهى كلام صاحب العمدة)

ويُجَلّي لك خطورةَ هذا الأمر هذا الحديث العظيم الذي رواه مسلم عن عوف بن مالك قال: قَتل رجلٌ من"حِميَر"رجلا من العدو فأراد سَلَبَه، فمنعه خالد بن الوليد وكان واليًا عليهم، فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عوفُ بن مالك فأخبره فقال لخالد:"ما منعَك أن تعطيَه سلبَه؟"قال: استكثرتُه يا رسول الله .. قال:"ادفعه عليه".. فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرت لك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فسمعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاستغضب فقال:"لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد".. ثم قال:"هل أنتم تاركون لي أمرائي؛ إنما مثلُكم ومثلُهم كمثل رجلٍ استرعى إبلًا أو غنمًا فرعاها ثم تَحَيّن سَقْيَها فأوردها حوضا فشرَعَت فيه فشرِبَتْ صفوَه وتركت كَدَرَه؛ فصَفْوُه لكم وكَدَرُه عليهم".

فانظر يا أخا التوحيد إلى فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنْ مَنَع صاحب السلَب سلَبه؛ لأنه رأى في ذلك ذريعة للتطاول والتجرؤ على الأمير .. ومع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" [4] ..

(1) 16 - التعزير لغة من الكلمات المتضادة التي تأتي بمعنى الاحترام والتقدير وبمعنى العقوبة، والمراد بها هنا الأول.

(2) 17 - المعجم الكبير للطبراني، وصححه الألباني"صحيح الترغيب والترهيب"،"صحيح الجامع الصغير".

(3) 18 - السنة لابن أبي عاصم، وحسنه الألباني في"السلسلة الصحيحة"،"صحيح الجامع الصغير".

(4) 19 - متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت