بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -
ثم أما بعد:
فيقول - سبحانه وتعالى - في محكم تنزيله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] ، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم، ثم يَفْشُو الكذب حتى يَحْلِفَ الرجلُ ولا يُسْتَحْلَف، ويَشهد الشاهدُ ولا يُستشهد، ألا لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقةَ؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بُحْبُوْحَة الجنة فليلزمِ الجماعة، مَن سرّته حسنتُه وساءته سيئتُه فذلكم المؤمن" [1] .
وقال - عليه الصلاة والسلام:"فعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصيةَ" [2] ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويَسْخَط لكم ثلاثًا؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تُناصحوا من ولّى اللهُ أمرَكم، ويَسخط لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
(فقد أوجب الله - تعالى - علينا التمسكَ بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادًا وعملًا ... وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات، الذي يتم به مصالح الدنيا والدين والسلامة من الاختلاف ... وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين) [3] .
وقد حدد القرطبي - رحمه الله - معنى الجماعة: بأنهم الإخوان الذين يكونون على مذهبٍ واحد؛ أي في منهج العمل والدعوة، فقال:"والإخوان جمع أخ؛ وسمي أخًا لأنه يَتَوَخّى مذهبَ أخيه، يَقْصده"وقال ابن عباس لسمّاك الحنفي: يا حنفي الجماعةَ الجماعةَ، فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها؛ أما سمعت قول الله - عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] .
فالداعية لابد له من التزود مع إخوانه أخذًا وعطاءً، فلا يَجْمُل التزود إلا مع الرُّفقاء، ولا ينمو الفضل إلا مع الأتقياء، فكما أن بركة الطعام في سفر الدنيا مع الجماعة؛ فإن نمو الأجر في القول والعمل لا يكون إلا مع ركب المؤمنين، وزيادة الفضل لا تربو إلا بمسيرة العاملين.
إذا علمت هذا .. علمت أن الجماعة لا تتحقق إلا بأميرٍ أو قائدٍ، وقد جرت سنة الله -تعالى- في كل خلقه بذلك، فلو نظر الإنسان إلى قطعان الماشية لرآها تنقاد خلف واحدٍ منها، ولو أبصر أسرابَ الأسماك في الماء والطيورَ في الهواء لرآها زَرافَاتٍ [4] ارتضاءً لتطبيق حكمة الله - تعالى -؛ لأن مصالحها لا تتم إلا بهذا الاجتماع ...
(1) 1 - رواه الترمذي والنسائي وأحمد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
(2) 2 - رواه النسائي وأبو داود وأحمد، واللفظ للنسائي، وقال الألباني: حسن في"صحيح النسائي"
(3) 3 - القرطبي.
(4) 4 - أي جماعات.