وبذلك انغمر مغاربة المخزن في حظهم من الفرح والسرور على حساب التفريط في الأرض والعرض والدين والكرامة كما وصف ذلك محمد غريط بقوله: (1) ( وحسنت الأحوال بعد زوال تلك الأهوال، فألوى الناس إلى خضراء الدمن(2) ، وذهب بعضهم في اللهو والبطالة كل مذهب، وتآخوا على الفاحشة وبئس الإخاء، وسخوا، ولكن في ما يحرم فيه السخاء، وصاروا في يوم الجمعة كما كان أهل الأندلس يوم السبت، يفعلون أفاعيل أصحاب الطاغوت والجبت... واختلاط النساء بالرجال متعطرات متبرجات كأنهن بكل ناظر متزوجات... ومعاطاة الكؤوس على المقابر، كأنما أعيد عصر الجاهلية الغابر...)
لقد حقق المخزن غايته باستتباب أمنه ورفاهيته، فهل حقق الاستعمار الفرنسي غايته المعلنة قبل الاحتلال والمضمرة؟
أهداف الفرنسيين من الاحتلال وأساليبهم
تزعم السلطة الفرنسية أن هدف جنودها من تدخلهم في المغرب سنة 1912م هو القضاء على الفوضى وحماية النظام وتطوير البلاد وأهلها، مما تم بموجبه عقد مقايضة بينها وبين المخزن تضمن به بقاءه في مقابل وضع اليد الفرنسية على كامل التراب المغربي ثم اقتسامه مع الإسبان، وتطويره في إطار الأهداف الفرنسية المعلنة. وفي هذا يقول المؤرخ الفرنسي تيراس (3) : (وفي مستهل القرن العشرين أصبحت الأسرة العلوية مهددة من كل الجهات، لما اندلع من فوضى وثورة، ومن ثم كان لزاما على القوات الفرنسية أن تتدخل لإنقاذ السلطان وعاصمته فاس من ثورة القبائل. وفي اليوم الثاني لبسط الحماية على المغرب تمكنت قوة عسكرية أخرى من صد حملة مرابطية جديدة قادمة من موريطانيا بقيادة الشيخ الهيبة) .
فهل اكتفى الفرنسيون بتحقيق هدفهم المعلن هذا، أم كانت لهم أهداف أخرى مضمرة أشمل وأوسع وأبعد خطرا؟
(1) - نفس المرجع ص 133- 134
(2) - البغاء والفاحشة
(3) - تاريخ المغرب - تيراس - ص 102