إن حياة رسولنا الكريم هي النموذج الأمثل لما يجب أن تكون عليه حياة الشباب الدعاة أصحاب المعالي. يقول الإمام ابن حزم: «من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه ...» [1] . وقد كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - كما قال ربه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162] حياة كلها مكابدة وجهاد في سبيل هداية البشرية ورفع راية الحق لا يتعب ولا يفتر، ولا توقفه التحديات الصارخة والتي بدأت بتسفيه عمه أبي لهب له، ولا يعبأ بالمخاوف والأهوال. حياة كوهج الشمس فيها الشعلة المتقدة وفيها النور والضياء وفيها الطهر والنقاء. لم يكن للنوم في عينيه مقام طويل بل خفقات تهدهد رأسًا مُليء علمًا وحزمًا وحرصًا، وأي نوم يهجم على عين باكية ساهرة على حقوق الله عز وجل، وأي كسل وفتور يهجم على قلب مصدوع من الواقع المؤلف الذي يعيشه الناس منصرفين فيه عن الله:
في كفه شعلة تهدي وفي فمه ... بشرى وفي عينيه إصرار أقدار
وفي ملامحه وعدٌ وفي دمه ... بطولة تتحدى كل جبار
«لم يكن مثله - صلى الله عليه وسلم - في الصبر والثبات واستقرار النفس واطمئنانها على زلازل الدنيا، ولا في الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معاني البقاء الأرضي فهو قد خلق كذلك ليغلب الحوادث ويتسلط على المادة فلا يكون شأنه شأن غيره من الناس تدفنهم معاني التراب وهم أحياء فوق التراب أو يحدهم الجسم الإنساني من جميع جهاتهم بحدود طباعه ونزعاته» [2] .
(1) الأخلاق والسير في مداواة النفوس ص: 24.
(2) وحي القلم ج3 ص:10.