إن أتيته في ميدان الدعوة فهو سيد الدعاة وأقدرهم وأحكمهم وأفهمهم للواقع الذي يعيشه، وإن أتيته في ميدان العلم فهو البحر المثجى الذي لا ساحل له، وإن أتيته في الجهاد فهو الأسد الهصور الذي تحتمي به الأبطال عند قراع السيوف، ولعمر الحق إن هذا «فعل رجل عرف الوجود والموجِد فماتت أغراضه وسكنت اعتراضاته» [1] . حياة زاخرة فوارة بكل ما هو عظيم، حتى آخر أيام حياته قد بلغ - صلى الله عليه وسلم - بالإخلاص في الدعوة الغاية القصوى والنهاية العظمى، وبنى لهذه الأمة بعد أن كانت محتقرة أعظم مجد وأسماه، ورفع الإنسانية من الدرك الأسفل إلى أعالي القمم، فصارت بذلك عقيدة ودينًا بعد أن كانت أمنية ووهمًا، وبذلك استحق أن يكون المصلح الحقيقي للتاريخ.
أثر السيرة في الصحابة
ولما أن تأثر السلف الصالح بسيرة رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - وتمثلوها واقعًا حيًّا يدبُّ على وجه الأرض، ركبوا البحر غزاة فاتحين فكان البحر لهم عرشًا ولما أن تخلف من بعدهم بقرون عن تمثل هذه السيرة العطرة، ركبوا البحر لأغراضهم وشهواتهم فكان البحر لهم نعشًا، وما تغير البحر ولكن نفوس الراكبين تغيرت:
أي دين ذلك الدين الذي ... حول الأفكار عن كل اتجاه
صهر الأنفس حتى لم تعد ... تدرك الأنفس شيئًا ما عداه
كم أب خاصم في الله ابنه ... وأخ حارب في الله أخاه
باسمه أمسى يسوس الأرض من ... يحلب النوق ومن يرعى الشياه
ويجوب الحبر من لم يره ... غير طيف من خيال في كراه
ناشرًا من فوقه أعلامه ... تفزع العقبان منها والبزاه
الواجب نحو السيرة المباركة
(1) صيد الخاطر ص: 266.