والله -عز وجل- قد أخبرنا عن حال المرابين {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا} [ (276) سورة البقرة] يعني يبطله فتذهب بركته في الدنيا، فإذا عمل به عملًا صالحًا أو تصدق منه، لم يقبل الله ذلك منه، فهو ممحوق، وهكذا كل مكسب خبيث رديء فإن الله يمحقه فتخير نفقة طيبة، ثم تبصر في معنى آخر وهو أن هذه النفقة مخلوفة، المنافقون أخبرنا الله -عز وجل- أنهم يرون النفقة في سبيل الله مغرمًا، {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا} [ (98) سورة التوبة] يعد ما ينفق ذلك من الغرم والخسارة فهي مقطوعة من قلبه، أما المؤمن الصادق فهو يحتسبها، ويعلم أنها مخلوفة، حينما تدفع هذه الأموال في سبيل حجك فهذا هو الكسب الحقيقي، هذا خير ما أنفقت فيه الأموال، نحن ندفع كثيرًا في سفرة للنزهة والفرجة، نحن ندفع كثيرًا في سبيل استئجار صالة للأفراح أو استراحة أو غير ذلك مما يذهب ويزول ويبطل، ولربما يراد به غير وجه الله -عز وجل-، وأما النفقة في الحج فإن الله يقبلها ويثيب عليها، وينميها للإنسان، فلا تستكثر ذلك، كيف يستكثر والله -عز وجل- يقول: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [ (272) سورة البقرة] فإذا أدركت هذا المعنى فإنك تخرج النفقة وأنت مستريح النفس، مطمئن القلب، وتعلم أن هذا الوفد وأن هؤلاء الذين جاؤوا إلى هذا الحج أن خير ما أنفق هو ما بذل في سبيل الله -عز وجل- في مثل هذه المشاهد والمقامات والأزمنة الشريفة، أي نفقة أفضل من نفقة تبذل في شهر حرام من شهور الحج، في بلد الله الحرام، لضيوف الله -عز وجل-؟ الحجاج هم وفد الله وضيوفه، فهل ستجد نفقة أفضل وأكمل وأعظم من هذه النفقة؟ فلماذا تستحقرها؟ أنفق، أنفق، وهذه النفقة ليست من التضييع ولا الإسراف، هذه نفقة في محلها، الإسراف هو تضييع الأموال