قد يحج الإنسان ملأها الغرور والتعالي والترفع حتى كأنه قد وصل، كأنه قد حط رحله في الجنة، وأما الناس فهم جهلة مسرفون على أنفسهم مذنبون لا يعرفون أداء المناسك، فهذه النفس نفس مريضة، تحتاج إلى مداوة وعلاج، وقف مفرح بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني -رحمهما الله تعالى- في عرفة فقال أحدهما:"اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي"، وقال الآخر:"ما أشرفه من موقف وأرجاه لولا أني فيهم"، انظر كيف يزرون على أنفسهم وهم الأئمة الكبار العباد؟ فأنت وأنت تمشي في جموع الحجيج، وأنت تقف بعرفة، أو تبيت بمزدلفة كيف تنظر إلى نفسك وإلى الناس من حولك؟
وأما الفضيل بن عياض -رحمه الله- فوقف بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء، وقال:"وسوأتاه منك وإن عفوت"مستحي من تقصيره وذنوبه وهو الفضيل بن عياض! أين هذا ممن يتمدد في يوم عرفة فينام؟! أو حال الآخر وقد سمعت ذلك بأذني يسحب صاحبه إلى الطريق ويقول: هيا لنقطع الوقت، يتمشون في شوارع عرفة يوم عرفة لنقطع الوقت، لو كان هذا في منافسة في أمور الدنيا هل يقال ذلك؟