تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ .
وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ ، قَدْ تَنَازَعَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ، فَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُخَالِفُ مَا حَكَمَ بِهِ ، فَعَلَى هَذَا أَنْ يَتَّبِعَ مَا عَلِمَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَأْمُرَ بِذَلِكَ ، وَيُفْتِيَ بِهِ ، وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ، وَلَا يُقَلِّدَ الْحَاكِمَ . هَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِنْ تَرَكَ الْمُسْلِمُ عَالِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ مَا عَلِمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - لِقَوْلِ غَيْرِهِ ، كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذَابِ . قَالَ تَعَالَى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا النَّصُّ - مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ، تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلَ بِاجْتِهَادِهِمْ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُخَالِفُ اجْتِهَادَهُمْ - فَهُمْ مَعْذُورُونَ لِكَوْنِهِمْ اجْتَهَدُوا و { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } . وَلَكِنْ مَنْ عَلِمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ السُّنَّةِ إلَى غَيْرِهَا . قَالَ تَعَالَى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } وَمَنْ اتَّبَعَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كَانَ مَهْدِيًّا مَنْصُورًا بِنُصْرَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } . وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [171] إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [172] وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } . وَإِذَا أَصَابَتْ الْعَبْدَ مُصِيبَةٌ كَانَتْ بِذَنْبِهِ ، لَا بِاتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - . بَلْ بِاتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - يُرْحَمُ وَيُنْصَرُ ، وَبِذُنُوبِهِ يُعَذَّبُ وَيُخْذَلُ . قَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } --]
وفي آخر هذا الباب أسأل: هل هؤلاء الجهلة الذين امتنعوا من تكفير بعض المشركين ، يستحسنون أو يستصوبون فعلهم ؟ .. بمعنى يرون الشرك حسنًا وصوابًا وحقًا ؟ .. الجواب: قطعًا لا .. وإن كانوا يرونه كذلك ، فهم كفّار ولا ريب .
فإن كانوا يرون الشرك باطلًا .. وقد اجتنبوه وأبغضوه .. وأبغضوا عبادة غير الله تعالى ، وعرفوا أن عبادة الله هي الحق ، فاتبعوا دينه ، وأحبوه .. فكيف يقال حينها: إن من لم يكفّر بعض هؤلاء المشركين فقد أحبّ الشرك وأقرّه واستحسنه ؟