الصفحة 25 من 95

تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ .

وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ ، قَدْ تَنَازَعَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ، فَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُخَالِفُ مَا حَكَمَ بِهِ ، فَعَلَى هَذَا أَنْ يَتَّبِعَ مَا عَلِمَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَأْمُرَ بِذَلِكَ ، وَيُفْتِيَ بِهِ ، وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ، وَلَا يُقَلِّدَ الْحَاكِمَ . هَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِنْ تَرَكَ الْمُسْلِمُ عَالِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ مَا عَلِمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - لِقَوْلِ غَيْرِهِ ، كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذَابِ . قَالَ تَعَالَى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا النَّصُّ - مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ، تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلَ بِاجْتِهَادِهِمْ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُخَالِفُ اجْتِهَادَهُمْ - فَهُمْ مَعْذُورُونَ لِكَوْنِهِمْ اجْتَهَدُوا و { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } . وَلَكِنْ مَنْ عَلِمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ السُّنَّةِ إلَى غَيْرِهَا . قَالَ تَعَالَى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } وَمَنْ اتَّبَعَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ كَانَ مَهْدِيًّا مَنْصُورًا بِنُصْرَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } . وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [171] إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [172] وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } . وَإِذَا أَصَابَتْ الْعَبْدَ مُصِيبَةٌ كَانَتْ بِذَنْبِهِ ، لَا بِاتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - . بَلْ بِاتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - يُرْحَمُ وَيُنْصَرُ ، وَبِذُنُوبِهِ يُعَذَّبُ وَيُخْذَلُ . قَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } --]

وفي آخر هذا الباب أسأل: هل هؤلاء الجهلة الذين امتنعوا من تكفير بعض المشركين ، يستحسنون أو يستصوبون فعلهم ؟ .. بمعنى يرون الشرك حسنًا وصوابًا وحقًا ؟ .. الجواب: قطعًا لا .. وإن كانوا يرونه كذلك ، فهم كفّار ولا ريب .

فإن كانوا يرون الشرك باطلًا .. وقد اجتنبوه وأبغضوه .. وأبغضوا عبادة غير الله تعالى ، وعرفوا أن عبادة الله هي الحق ، فاتبعوا دينه ، وأحبوه .. فكيف يقال حينها: إن من لم يكفّر بعض هؤلاء المشركين فقد أحبّ الشرك وأقرّه واستحسنه ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت