والقول بالجواز ينبني على مدارك، من أهمها مدركان رئيسيان:
أولهما: مدرك الحاجة العامة، والحرج، وعموم البلوى، والتبعية.
وثانيهما: مدرك الشخصية المعنوية، وانفصالها عن ذمم المساهمين.
ولأنه يتفرع عن هذين المدركين أوجه من الاستدلال يحتج بها القائلون بالجواز، وهي عند التحقيق تعود إليهما في جملتها، فسوف يقتصر البحث على مناقشتهما، لبيان وجه القول في المسألة في نظر الباحث.
أولًا: مدرك الحاجة العامة:
تعرَّف الحاجة فقهًا بأنها: ما يفتقر إليه من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُرعَ دخل على المكلفين حرجٌ ومشقةٌ في الجملة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقع في المصالح الضرورية [1] .
واستدلال المجيزين بالحاجة يتأسس على أن منع التعامل بأسهم الشركات المتعاملة بالمحرم يؤدي إلى إيقاع أفراد المجتمع في الحرج والضيق، حينما يجدون أنفسهم عاجزين عن استثمار ما بأيديهم من مدخرات، ومن ثم تناقصها بعامل التضخم وغيره.
ولا إشكال في الاعتداد بالحاجة، وأنها سبب للترخيص للناس بشروطها، ذلك أن"الرخص تتبع الحاجات" [2] ، لكن الشأن هنا هو التثبت من توفر الحاجة المقصودة للشارع، ومدى نهوضها بمقاومة أصل المنع.
وإذا لحظنا مسألة التعامل بأسهم الشركات التي تواقع المعاملات المحرمة، لم نجد الحاجة الحقيقية التي ارتسمها الشارع في تصريف أحكامه، ولم نجد توصيفها المقرر في فن القواعد والأصول: بأن منعها يوقع في الحرج والضيق غير المعتادَين، ونحن نرى أكثر الناس - أو كثيرًا منهم على الأقل - يمتنع من التعامل بأسهم هذه الشركات، إما تدينًا وتأثمًا، وإما رغبة فيما هو أجدى من الناحية الاقتصادية، ولا يجدون في ذلك حرجًا.
نعم لو تحققت الحاجة الحقيقية التي يقدرها الفقيه المعتبر، في واقعة معينة لشخص معين، فحينئذ يمكن القول بالجواز استثناء كما سيأتي قريبًا.
(1) انظر: الموافقات؛ للشاطبي (2/ 9) .
(2) الاصطلام في الخلاف؛ لأبي المظفر منصور بن محمد السمعاني (3/ 70) .