بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور/ محمد الزحيلي
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي أنزل القرآن العظيم، وقال: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز (1) ·
والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمة للعالمين، الذي هاجر إلى المدينة المنورة، وأقام الدولة الإسلامية، وكان فيها القاضي الأول في الإسلام، وقد أنزل الله تعالى عليه في محكم التنزيل قوله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيمًا (2) · وقال تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولاتتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرًا من الناس لفاسقون (3) ·
وبعد: فإن القضاء في الإسلام يمثل صورة مشرقة في التاريخ الإسلامي، ويتبوأ مركزًا مهمًا في الشريعة الغراء، ويحتل ركنًا أساسيًا في الفقه الإسلامي، وتتمثل فيه الصورة الحقيقية الناصعة للتطبيق الصحيح لأحكام الله تعالى نظريًا وعمليًا، وترنو إليه الأنظار في الحاضر والمستقبل لإعادة أمجاد الأمة، وتحقيق العزة والكرامة للأفراد، وتأمين حماية حقوق الإنسان وإقامة العدل في الأرض، وتنفيذ أحكام السماء ·
وقد اخترت الكتابة في هذا الموضوع لتقديم بعض جوانب القضاء في الإسلام، وإعطاء صورة موجزة عن هذا الصرح المشيد، والتذكير بمآثره الماضية، وعقد الرجاء على تطبيقه ومكانته في ظل الرؤية القويمة للتقدم والنهوض والإصلاح في مجتمعنا العربي المعاصر، ومستقبلنا الإسلامي المرتقب، والعودة إلى رحاب الشريعة الغراء التي حققت لأمتنا العزة والكرامة، والأمن والأمان، وبوأتها المكانة السامية تحت أشعة الشمس طوال عدة قرون، وتهيب بأبنائها - اليوم - إلى الصحوة المرجوة لتعيد لها الأمجاد ·
ونبين بادئ ذي بدء أن هذا الموضوع واسع وكبير وشامل، ولا يسعنا الإحاطة بجوانبه، وعرض مبادئه في هذا البحث الموجز، ولذلك فإننا نتناول بعض النقاط البارزة فيه، وإثارة بعض الأمور، لنقدم لمحات سريعة عن القضاء في الإسلام، ونذكر ببعض الملامح الأساسية فيه، ليكون تذكرة لغيره، وتنبيهًا لسواه، تحقيقًا لقوله تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع، وهو شهيد (1) ·
(1) منشورات مجلة البحوث الفقهية المعاصرة