الصفحة 3 من 118

فالفجور ينقص وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقالت طائفة نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي وقالت طائفة بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده وللبركة في العمر أسبابا تكثره وتزيده قالوا ولا تمنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب فالأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغني والفقر وإن كانت بقضاء الله عز وجل فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها وقالت طائفة أخرى تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن تفوته حقيقة الحياة وهي حياة القلب ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي كما قال تعالى أموات غير أحياء فالحياة في الحقيقة حياة القلب وعمر الإنسان مدة حياته فليس عمره إلا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره ولا عمر له سواها وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول ياليتني قدمت لحياتي فلا يخلوا إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا فان لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلا وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها وذلك نقصان حقيقي من عمره وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته . انتهى كلامه رحمه الله

هل فينا مثل شيخ الإسلام و تلميذه ابن القيم رحمهم الله ؟

هل فينا مثل الطبري رحمه الله يكتب في التاريخ و التفسير المجلدات الطويلة ؟

هل فينا مثل النووي يصنف في العلم و يكتب مؤلفات تكاد تقرأ كل يوم كرياض الصالحين و يموت و عمره خمسة و أربعون عاما ؟

و غيرهم كثير جدا تزخر الكتب بسيرهم المباركة ، بينما تتأمل ما نحن فيه ، فقد ذهبت الأوقات و الأعمار و محقت البركة إلا من رحم الله،نسأل الله تعالى أن يلطف بنا ، و أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و الله أعلم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت