الصفحة 12 من 118

وكان من عظيم فضل الله على عباده أن جعلَ كتابه محكمًا مفصلًا، عزيزًا مجيدًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مبَيَّنًا لا غموض فيه ولا لبس، ولا اختلاف ولا تعارض، شفاءً للقلوب والأبدان، وهدىً ورحمة للإنس والجان، تكفَّل الرب بحفظه فقال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، فلا تطالهُ يد التحريف، ولا يطرأُ عليه التغيير والتبديل إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليها.

ثم أتمَّ الله النعمة على عباده فجعل دينه كاملًا، لا يعتريه نقصٌ ولا يقبل زيادةً أو استدراكًا، فقال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِسْلاَمَ دِينًا ، سهلًا سمحًا يسيرًا، لا عُسر فيه ولا حَرَج، قال الحسن البصري رحمه الله (النعيم هو تخفيف الشرائع وتيسير القرآن) ، والرب جل وعلا يقول هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ويقول مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .

* فهل أدَّى المسلمونَ شكرَ هذا النعيم الدينيِّ العظيم؟

لا والله، إلا قليلًا ممن رحم الله، فقد قابل الكثيرون نعمةَ القرآن بالهجران، فلم يتدبَّروا آياته، ولم يتخذوه منهجَ عملٍ يُحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامه ويقفون عند حدوده، ولم يكتفوا به مَصدرًا في التلقِّي...

وقابلوا نعمةَ حفظ الذِّكر بالاختلاف والافتراق، حتى كان اختلافُهم أكثرَ من اختلاف الأمم السابقة التي وَكَلَ اللهُ أمرَ حِفظ كتبها إليها...

وقابلوا نعمةَ كمال الدِّين بالابتداع والاختراع، ولسانُ حالهم يقول: الدِّين الذي مات عنه محمَّد وبلَّغَناه لا تحصل به الكفاية، ولا تُدرك به الغاية، بل لابدَّ من إضافات وزياداتٍ تواضعت عليها عقولهم واستحسنتها قلوبهم وأذواقهم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت