الصفحة 33 من 43

والدها أم الشافعي؟! فلاحظت أنَّ غرفة الشافعي بقيت مظلمة إلى قُبَيل أذان الفجر بينما الإمام أحمد كان يقوم أكثر الليل, وفي الصباح قالت لأبيها: أهذا هو الشافعي الذي حدثتني عنه؟ فلم يجبها الإمام أحمد ودخل على الشافعي فقال له: كيف كانت ليلتك يا أبا عبد الله؟ فقال له: لقد فكرتُ الليلة في بضع آيات من كتاب الله تعالى و روايةٍ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فاستخرجتُ منها أحكامًا كثيرة - و في رواية فوق الستين حكمًا - فقال الإمام أحمد لابنته: لضجعة واحدة من الإمام الشافعي خير من صلاة أبيكِ الليل كله!.

وهذا دليل عظيم على احترام الأئمة بعضهم لبعض وعلى انكسار طالب العلم أمام معلمه واعترافه بفضله وحري على طلبة العلم الاقتداء بالإمام أحمد بن حنبل و الشافعي ويتعلموا منهم أدب الشكر وأدب العلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه: (( لاَ يَشْكُرُ الله مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ ) )أخرجه ابن داوود في سننه.

هذا يصور لنا كيف كان أدب و تعظيم أئمة المسلمين بعضهم لبعض ونظر كل واحد منهم إلى الآخر على أنه إمامًا له ومعلمًا له وهذه هي أخلاق الصحابة رضوان الله عليهم فكان كل واحد منهم يظن أن الآخر أفضل منه.

وللأسف نرى أن بعض طلبة العلم من الذين لم يتمكن حب الله ورسوله في أنفسهم يخطئون اتجاه معلميهم فنرى بعضهم لا يفقه من العلم الشرعي إلا القليل ومع ذلك همه انتقاد معلميه لأتفه الأسباب دون بينة أو حجة.

17 -الشافعي المؤمن السخي الكريم:

روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «والسَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ الله، قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ, وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الله، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ الناسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ, وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلى الله عَزَ وَجَلَّ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» [1] . رواه الترمذي وقال (هذا حديث غريب) .

والأشياء تتبين بأضدادها (والجاهل السخي) قال القاري [2] : أراد به ضد العابد وهو من يؤدي الفرائض دون النوافل، لأن ترك الدنيا رأس كل عبادة وإنّما عبر عنه بالجاهل لأنّه أراد به أنّه مع كونه جاهلًا غير عالم بما لم يجب عليه وجوب عين (أحب إلى الله عز وجل من عابد) أي كثير النوافل سواء يكون عالمًا أم لا (بخيل) لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأيضًا البخيل الشرعي هو من ترك الواجب الشرعي المالي والسخي ضده، ولا شك أن من قام بالفرائض وترك النوافل أفضل ممن قام بالنوافل وترك الفرائض،. انتهى

وكان الإمام الشافعي من أكثر الناس سخاء , وأكثرهم إنفاقًا جمع بين العلم ومكارم الأخلاق وفي هذا المقام لابدّ لنا من رواية بعض القصص التي تبين سخاء هذا الإمام لعلّنا نتعلم منه دروسًا عملية في الإنفاق من هذه القصص ما رواه الإمام الذهبي في الجزء العاشر في كتابه الشهير سير أعلام النبلاء:

(1) وأخرجه البيهقي أيضًا في شعب الايمان عن جابر بن عبد الله والطبراني في الأوسط عن عائشة, قال المناوي: بأسانيد ضعيفة يقوي بعضها بعضًا.

(2) راجع كتاب تحفة الأحوذي الجزء 6 صفة 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت