الصفحة 18 من 43

قلت إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي, فصرت إليه وهو في مسجد مصر فلما جثوت بين يديه قلت هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك فما الذي عندك؟

فغضب- أي الشافعي - ثم قال أ تدري أين أنت؟!

قلت: نعم.

قال هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون!

أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك؟

قلت: لا

قال هل تكلم فيه الصحابة؟

قلت: لا

قال تدري كم نجما في السماء؟

قلت: لا

قال: فكوكب منها تعرف جنسه طلوعه أفوله مم خلق؟!

قلت: لا.

قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه!

ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه,

فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق! إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى (( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم, إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (( البقرة 163 - 164 ,فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك!

قال المزني: فتبت. انتهى.

سبحان من علمك الحكمة والمنطق يا إمام! ما شاء الله ما أعقلك يا شافعي! والله نحن بحاجة لمثلك والله شباب اليوم بحاجة إلى علماء مجددين لدين محمد أصحاب منطق وحجة وبرهان, وإقناع يضربون الأمثلة المنطقية والعلمية ثم يستشهدون بقال الله وقال رسول الله.

وأسلوب الشافعي في القصة السابقة يعطينا درسًا دعويًا واضحًا في أسلوب الدعوة إلى الله , فعلى الداعي إلى الله أن لا يكتف بقال الله وقال رسول الله , بل عليه أن يطرح الأمثلة البسيطة و الأساليب العلمية ثم يتدرج رويدًا رويدًا حتى يصل إلى فكرته , فنلاحظ من القصة السابقة كيف تدرج الشافعي في تعليمه للمزني فلم يقل له مباشرة قال الله وقال رسول الله , بل تدرج معه في سلم الحكمة والمنطق السليم حتى أوصله إلى قناعة صحيحة بقول تعالى (( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم, إن في خلق السماوات والأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت