كما أن بعضهم لربما استحيا من حيوان بهيم يقول: استحي أن ينظر إلي ذو عينين وأنا أكل فلا أعطيه شيئًا، وكان بعضهم لربما ألقى جميع طعامه لكلب قد حضره، يقول: لا أتمكن أن ينظر إلي كلب أو ينظر إلي مخلوق بعينه وأنا آكل أمامه، فأين الذين يشبعون ويصابون بالتخمة والملايين من البشر يموتون جوعًا؟!
ومن هذا النوع من حياء النفوس الكريمة الأبية حياء أصحاب الشرف والمروءة والقوة والعزة والنخوة حياء صلاح الدين الأيوبي، وذلك أنه لم يُرَ ضاحكًا قبل فتح بيت المقدس، فسئل عن ذلك فقال:"إني لأستحيي من الله أن أضحك وفي القدس صليبي واحد"، وحُق لنا أن نقول: إننا ينبغي أن نستحي من الله -عز وجل- أن نضحك وفي القدس يهودي واحد.
تاسعًا: الطريق إلى الحياء:
كيف ننمي الحياء في نفوسنا؟ كيف نشيعه في مجتمعاتنا؟ كيف نغرسه في أولادنا منذ نعومة أظفارهم؟ كيف نطور هذه الفطرة في نفوسهم ونقويها؟
نقول: أولًا: يكون ذلك باستحضار مراقبة الله تعالى ونظره إلى العبد، فهذا مشهد المراقبة وهو مشهد كبير، وهو أصل لجميع الأعمال القلبية.
أن نستحضر معية الله -عز وجل- نتذكر قول الله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [ (4) سورة الحديد] ، {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [ (7) سورة المجادلة] ، وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت للعبد من الحياء ما لا يحصل بدونه، والحياء يجمع بين مقام المعرفة ومقام المراقبة.