وكذلك أيضًا قال هود لقومه (عاد) : {أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} (الشعراء:128 - 135) .
فالذين بنوا بكل سفح من سفوح جبالهم بناءًا فخمًا كان آية في الجمال والدقة، واتخذوا المصانع كأنهم مخلدون أبدًا أو ليخلدوا أبدًا، وبطشوا بأعدائهم بغير رحمة، وحازوا الأموال والأولاد، وعاشوا في الجنات والبساتين، لا شك أن هؤلاء كانوا يتمتعون بالبصيرة الدنيوية والعلم المادي الذي أهلهم لذلك، ولكن كل ذلك لم يخرجهم عند الله من دائرة الإجرام، ولم يرفعهم من مرتبة الحيوانات .. كما قال تعالى عنهم {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين} (يونس:13)
بل إن الله سبحانه وتعالى مدح نفسه على إهلاكهم وإزالتهم من وجه الأرض حيث يقول سبحانه: {وقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} . (الأنعام:42 - 45)
وإهلاك الله للقرى الظالمة والدول الجائرة الكافرة قد يكون بالدمار الشامل وترك ديارهم خرابًا وأرضهم يبابًا (خرابًا لا شيء فيها) ، كما قال تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} (الحج:45) أي بئر معطلة عن السقي مع امتلائها بالماء وقصر مشيد لا يسكنه أحد!!
وقد يكون الهلاك بتسليط غيرهم عليهم من أهل الإيمان تارة، أو من أمثالهم من أهل الكفر أخرى، كما سلط الله هذه الأمة الإسلامية على الأمم التي كفرت به من أهل الكتاب الذين بدلوا شرائع الله وانحرفوا عن هديه سبحانه .. قال تعالى بعد أن أورث المسلمين أرض اليهود في المدينة يهود بني قريظة {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطئوها، وكان الله على كل شيء قديرًا} (الأحزاب:45) وقال عن أمثالهم يهود بني النضير: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} (الحشر:2)
وبشر الله نبيه قبل موته أن أمته سترث الأمم وتملك العالم شرقه وغربه. كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها] . (رواه الترمذي)
وقرأ سعد بن أبي وقاص عندما دخل إيوان كسرى بعد فتح فارس قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين .. وكذلك وأورثناها قومًا آخرين} (الدخان) فبكى وبكى الناس وراءه.