الصفحة 56 من 56

من العلم كما رأينا. ثم إنها تتعلق بالغير: دماءً وأموالًا وأعراضًا، فعلى الأخ أن يتقي الله في هذا الباب، ويحتاط لدينه احتياطًا شديدًا، ولا يُعدَل بالسلامة شيء، وعليه أن يسأل أهل العلم كما قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

وإياك أخي المجاهد، أن يدخل عليك الشيطان من مدخل"هم رجالٌ ونحن رجال"، فتهلك وتوبق نفسك بما أنت غنيٌ عنه، وفي هذا كفايةٌ لمن أراد الهداية -إن شاء الله تعالى.-

ثالثًا: صحيحٌ أننا قلنا في الفقرة السابقة أن أحكام التكفير هي نتاجٌ لقواعد عقدية وقواعد أصولية وقواعد فقهية، مضافًا إليها علم الفقه والواقع، ولكن نلفت النظر هنا إلى أمر في غاية الأهمية، ألا وهو: أن قضية إنزال تلك القواعد العقدية الفقهية الأصولية على الطوائف والأعيان والوقائع والحالات، هو أمرٌ اجتهاديٌ فقهيٌ بحتٌ صرفٌ خالصٌ تمامًا تمامًا.

بمعنى: أن طلبة العلم والعلماء، إذا انطلقوا من قواعد أهل السنة، واستخدموا آليات الاستنباط والاستدلال الصحيحة لدى أهل السنة، وقرأوا الواقع قراءةً صحيحة، ثم اختلفوا في الإنزال على الأعيان، أو اختلفوا في بعض النتائج، فهذا لا علاقة له بالبدعة؛ فلا يُبدَّع فيه المخالف ولا يُفسَّق ولا يُكفَّر؛ فإذا كانت أصولنا واحدة ثم اختلفنا في التنزيلات فلا حرج.

ولنا في اختلاف السلف حول تكفير الحجاج خير دليل؛ فقد كفّر بعض السلف من التابعين الحجاج بن يوسف، وممن كفّره: سعيد بن جبير، في حين أن بعضًا من السلف لم يكفّره كالحسن البصري، وكلاهما من أجِلة علماء التابعين. والشاهد أن الذين كفّروه كسعيد لم يتّهموا من لم يكفرّه كالحسن بالإرجاء، وكذلك فالذين لم يكفّروه كالحسن لم يتّهموا من كفّره كسعيد بالغلو والخارجية! والمعول في كل هذا؛ سلامة القواعد، وصحة الاستدلال، والنظر الصحيح، وأن يكون من يتصدر لهذا الأمر من المؤهلين. أما أن يُفتح هذا الباب للجهلة، فحسبنا الله ونعم الوكيل على ضياع العلم والجهاد.

ولنا في جماعة البغدادي خير عبرة ودليل! وإياك أن تقول إن المقصود بهذا الكلام هو جماعة الدولة؛ لا، بل المقصود أنت أيها الأخ المجاهد في أي جماعة جهادية كنت.

كما نوهت لذلك في بداية كلامي، وأحب أن أضيف أنه لازال أهل السنة يختلفون في تكفير الأعيان ولا يعيب بعضهم على بعض، ولا يتهم بعضهم بعضًا؛ لأنه أمرٌ فقهيٌ اجتهادي، أي يجب أن يتسع فيه صدرك للمخالف، ولتعلم أن هذا المخالف ربما كان على صواب وكنت أنت على خطأ، إن كنت من أهل العلم. وأما إن لم تكن كذلك، فاعلم أن العلماء قد قالوا: بأن من يتكلم بجهل أو يفتي بجهل فإنه آثم ولو أصاب، كما نوه إلى ذلك الإمام الشافعي وغيره.

ولنضرب مثالًا لما نحن بصدده؛ فلو أن عالمًا أو طالب علم مؤهلًا أو طلبة علم في جماعة جهادية حكموا على فلان أو على طائفة ما بأنها طائفة كفر؛ نظرًا لثبوت وصف العمالة في تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت