المعاوضة هو كل شرط تشترط فيه منفعة خارجة عن الحكم الأصلي للعقد وعما يلائمه، كشرط المشتري على البائع طحن الحنطة المشتراة، أو حمل البضاعة على حسابه، أو إصلاح الآلة المبيعة إذا تعطلت عند المشتري، أو اشتراط البائع أن يستعمل المبيع مدة بعد البيع (2) فكل ذلك في أصل نظريتهم شروط مفسدة · وقد أخذ الحنفية في ذلك بظاهر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نهي عن بيع وشرط) (1) ·
وقد استثنوا من هذا النص نوعين من الشروط التعاقدية حكموا بصحتها وإلزامها إذا اشترطا في العقد، وهما:
1 -الشرط الذي ورد بجوازه نص شرعي كشرط الخيار (2) ·
2 -الشرط الذي تعارف الناس باشتراطه ·
فالشروط التي تعتبر عند الحنفية مفسدة بحسب تفسيرهم لهذا النص الوارد في السنة إذا تعورف شيء منها يصبح بالعرف صحيحًا ملزمًا واجب الاحترام شرعًا، ولو كان العرف فيه حادثًا ·
ومن فروع هذا النظر تصحيحهم بيع الوفاء لجريان العرف به رغم أنه في الأصل يقوم على أساس اشتراط مفسد عندهم وقد أفتى متقدمو الحنفية بفساده قبل أن يفشى فيه العرف ولهذا نجد متأخريهم أفتوا بجوازه لجريان العرف فيه ·
ومستندهم في ذلك هو النظر إلى علة الحديث النبوي الذي نص على منع الشرط في البيع، فقد اعتبروا أن الغرض التشريعي منه هو منع سبب المنازعة، لأن هذه الشروط الزائدة على أصل عقد البيع يفضي تنفيذها وكيفيته إلى النزاع غالبًا فرأوا أن العرف إذا جرى على بعضها ينفي النزاع إذ يجعل الأمر معلومًا مألوفًا فلا يكون العرف قاضيًا على النص بل موافقًا لغرضه وروحه ولو كان عرفًا حادثًا (1) ·
ولم يوجبوا لتصحيح الشرط المتعارف أن يكون العرف فيه عامًا بل يكفي العرف الخاص، فإن الشروط الممكنة متنوعة أنواعًا لا تحصى وهي في كل مكان وزمان بحسب حاجات أهله، فقد يتعارف في بلد من الشروط العقدية مالا يتعارف في غيره، فيصح من كل قوم أن يشترطوا في بيوعهم وسائر معاوضاتهم مايتعارفونه من الشروط مالم يوجد نص خاص يمنع شرطًا مخصوصًا بعينه، فحينئذ لا يعتبر عرف على خلافه (2) ·
الشاهد الثاني:
يصرح فقهاء الحنفية في بابي الربا والقرض من كتاب البيوع بأنه يجوز اقتراض الخبز عددًا بين الجيران، لأن ذلك أصبح متعارفًا بينهم للحاجة إليه · وهذا رأي الإمام محمد صاحب أبي حنيفة، وهو الراجح المفتى به في المذهب فيجوز ذلك ولو اختلف رغيف القرض عن رغيف الوفاء وزنًا مع أن الخبز مال ربوي من صنف الموزونات، والنصوص العامة في الشريعة توجب التساوي في مبادلة الأموال الربوية بجنسها وزنًا في الموزونات وكيلًا في المكيلات وتعد الفضل الزائد في أحدها عن الآخر محرمًا وعقده باطلًا أو فاسدًا · بل إن شبهة الربا كتحققه في الحرمةوالمنع وعقده باطلًا أو فاسدًا · باتفاق الفقهاء (1) ·
وهذا التجويز لاقتراض الخبز عددًا بين الجيران دون النظر إلى تفاوت الوزن قد استند فيه الإمام محمد إلى العرف الشائع محتجًا بأنه قد تعارف الجيران إهدار فرق الوزن واعتبار العدد فقط (2) ·
وبذلك أصبح هذا التعامل غير صالح لأن يتخذ طريقًا للمراباة الممنوعة شرعًا· فكانت علة النصوص العامة في تحريم الربا (وهي الاسترباح) غير متحققة بهذا الطريق، والحكم يدور مع علته، ولا يوجد نص خاص يمنع اقتراض الخبز عددًا بين الجيران على سبيل التخصيص والتعيين ليكون هذا العرف مصادمًا للنص الصريح، فأصبح المقياس المنظور إليه هو علة النصوص العامة في منع