قال: [ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة] (رواه مسلم(2816) في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم عن أبي هريرة) فالفضل كله لله تبارك وتعالى.
الشاهد أن أول صنف من البشر في موقفهم من المعصية هم هؤلاء التوابون، الرجاعون إلى الله تبارك وتعالى المستغفرون، وهؤلاء ممدوحون عند الله عز وجل، وهم أفضل الطوائف وأفضل الفرق.
الصنف الثاني: وهم المتمادون السادرون اللاهون، وهؤلاء مذمومون في كتاب الله تبارك وتعالى، كما قال جل وعلا: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف:201) .
هؤلاء هم أهل الإحسان.
قال: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} (الأعراف:202) .
{وإخوانهم} إخوان الشياطين {يمدونهم} يعني يمدهم الشياطين {في الغي} ، يسترسلون معهم، كلما دعاه الشيطان إلى فساد يطيعه ويسير معه {ثم لا يقصرون} يعني لا يقطعون خط المعصية، ويعودون إلى الله تبارك وتعالى، وإنما يتمادون وهؤلاء المتمادون هم على شفا هلكة، إن لم تدركهم رحمة الله تبارك وتعالى، بالتوبة قبل الموت، فقد هلكوا، وقد يصلون إلى الله تبارك وتعالى تقعدهم وتلزمهم النار أحقابًا وأحقابًا، فإن كانوا من أهل لا إله إلا الله خرجوا من النار، ونفعتهم لا إله إلا الله يومًا من عمرهم، وأما إن كانوا من غير ذلك، فهم مخلدون في النار عياذًا بالله، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا} (النساء:17) .
ولا شك أن كل فاعل للسوء جاهل، لأنه لو كان عالمًا على الحقيقة لاستحى من الله ولخاف الله تبارك وتعالى {ثم يتوبون من قريب} قبل الموت، كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر] (أخرجه أحمد(2/ 132) والترمذي (3537) وابن ماجة (2/ 1420) والحاكم (4/ 257) عن ابن عمر وقال الترمذي: حسن غريب وحسنه الألباني في صحيح الجامع).
ما لم تبلغ روحه الحلقوم. فالتوبة مفتوحة بابها موجود وباق، فالسادر الغافل عن طاعة الله تبارك وتعالى السائر في معاصيه يخشى عليه أن يفاجئه الموت، وهو على معصيته عياذًا بالله، ولا شك أن من مات على شيء بعث عليه، فمن مات حاجًا بعث ملبيًا، ومن مات مجاهدًا بعث على جهاده وفي دمه، ومن مات على سكره وفسقه وفجوره بعث على ذلك، بعث على ما مات