ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة، بل حقيقة، ولكن لله تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم [1] . اهـ.
* سبب تميز هذه السورة دون غيرها:
وذلك أنها قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن الكريم، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، يؤخذ من قوله: { رَبِّ الْعَالَمِينَ } . وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، ويؤخذ من لفظ: { للهِ } ، ومن قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ: { الْحَمْدُ } كما تقدم.
وتضمنت إثبات النبوة في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ؛ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وأن الجزاء يكون بالعدل، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.
وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة. خلافًا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ؛ لأنه معرفة الحق والعمل به، وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك.
وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى عبادة واستعانة في قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [2] .
2-مناسبة قراءة الفاتحة في القيام:
لما كان القيام من أركان الصلاة، ناسب أن تذكر فيه هذه السورة المشتملة على الثناء عليه، وشكره، وتمجيده، وتوحيده، فمهما اجتهد اعبد في عبادته وصلاته، وصدقته وشكره فهو لا يساوي شيئًا من نعم الله المتتابعة، وأعظمها الهداية لهذا الدين والإعانة على أداء هذه الصلاة.
* من ثمرة معرفة معنى هذا الذكر:
(1) «زاد المعاد» ص (795) .
(2) «تفسير السعدي» (39، 40) .