الصفحة 76 من 571

ولمَّا كان اعتمادهم على عقولهم القاصرة الضعيفة، وكلهم الله إليها، فكان ما رأوه مخرجًا من الفتنة أكبر أسبابِها وأعظم وسائلها، وفرُّوا من الفتنة فسقطوا في أعظم الفتن، وأيُّ فتنةٍ أعظم من فتنة النفاق والقعود عن الجهاد المتعيّن، بل والتهرّب عنه وإقناع النفس بأنَّه مصيبٌ في تركه له وتهرّبه منه؟!

وهكذا كلُّ من ترك أمر الله يريد تحصيل مصلحةٍ يراها في المعصية وترك الواجب، فإنَّه يسقط في أشدَّ ممَّا فرَّ منه وأعظم مما لجأ إليه، وقد رأينا اليوم في واقعنا، من يُطالب بترك الجهاد وترك الصدع بالكفر بالطاغوت لئلاَّ يتسلَّط العلمانيُّون، ثمَّ ما لبثنا أن رأيناه في صفِّ العلمانيين بل يكاد يكون أنشط الداعين إلى مبادئهم وأفكارهم، وأبرز المشاركين في مؤتمرهم وحوارهم، مع علمه أنَّه مبنيٌّ على ولاء غير ولاء الإسلام، ورايةٍ ليست راية لا إله إلا الله.

والَّذي دعا لترك الجهاد والصدع بتكفير المرتدِّين لئلا يتسلط الطاغوت على المسلمين، ما لبثنا أن رأيناه في صفِّ الطاغوت دون تحفّظ أو احترازٍ، حتَّى صار مقدَّم ذلك الصفِّ وحامل رايته والعياذ بالله.

وأعظم أسباب الفتنة مخالفة أمر الله ورسوله، قال جل وعلا: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) والفتنة الشركُ، ويدخل في معنى الفتنة ما دونه من معاقبة المخالف في دينِه، فحذّر الله المخالف عقوبتين: الفتنة في الدين، والعذاب الأليم في الدنيا، فكل شر ووبالٍ يخشاه العبد ويتّقيه، يحصل بمخالفة أمر الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فالَّذي يستأذن ليترك الجهاد يسلك باستئذانه سبب الفتنة الأعظم، من مخالفة أمر الله ورسوله، فكيف يدّعي أن استئذانه خوف الفتنة؟ ألا في الفتنة سقطوا.

والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت