كتاب يهدي وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي
بقلم: الشيخ عبد الله الرشيد
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) .
في السورة الفاضحة التي فضحت المنافقين، المبعثرة التي بعثرت أسرارهم، ذكر الله عز وجل صفاتِ المنافقين، وحججَهم وأعذارَهم وما يتمسّكون به، وردَّ عليهم وفضحهم وعرَّاهم.
ومما ذكر الله جل وعلا عنهم هذه الصفة وهذا العذر: فمن صفتهم الاستئذان للتهرب من الجهاد في سبيل الله والخروج عما أوجبه عليهم وافترضه الله، ومن أعذارهم خوف الوقوع في الفتنة.
وقد ذكر الله عز وجل صفة الاستئذان للتهرب من الجهاد قبل هذه الآية فقال: (لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) .
فبيّن الله أنَّ هذا العذر لا يكون من الَّذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، وإنَّما يكون ممن لم يؤمن وفي قلبه ريبٌ وشكٌّ يتردّد فيه، وأوضح بهذا أنَّ هذه الصفة علامةٌ من علامات النفاق لا تكون إلاَّ في منافقٍ ولا يفعلها المؤمن بالله واليوم الآخر.
وقد ذكر الله هذا عذرًا للمنافقين عمومًا، ثمَّ ذكر اعتذار طائفةٍ منهم، ممن ألبس عذره اللبوس الشرعي، وادَّعى أنَّ استئذانَه إنَّما هو لخوف الفتنةِ.
وقد نزلت الآية في الجد بن قيس حين رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد وقال للصحابة: اغزوا تغنموا بنات بني الأصفر، فقال الجد: ائذن لي ولا تفتنِّي بالنساء، واعتذر بأنَّه لا يصبر عنهنَّ، فالفتنة التي اعتذر بها فتنةٌ في الدينِ، والخوف الذي ادّعى أنَّه ترك الجهاد لأجله خوفٌ على الدين لا على الدنيا، ومع ذلك فانظر بم أجابه الله عزَّ وجلَّ: (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) فكيف بمن يحتجُّ بخوف الفتنة كفعل ذلك المنافق سواءً بسواءٍ، ثمَّ يفضله المنافق بخصلةٍ، وتكون الفتنة التي احتجّ بها المنافق فتنة الدين، والفتنة التي احتجَّ بها هذا المحتجُّ فتنة الدنيا، وأيُّهما أقرب إلى العذر وأسلم من المعرَّة.
وهؤلاء المنافقون الذين احتجّوا بخوف الفتنة، هم أنفسهم من ذكر الله عنهم قبل هذه الآية بآية السعي في الفتنة فقال: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) . فهم يسعون في الفتنة في سائر أحوالهم، وإذا جاء الجهاد تعللّوا بالفتنة واحتجّوا بها ليهربوا عن هذه الفريضة.
وقد وقع المنافق الذي احتجّ بهذه الحجّة، واعتذر بهذا العذر في أمرين عظيمين، استوجب بهما خاتمة هذه الآية:
فقد استأذن للتهرب من فرض الجهاد، وليس من صفة المؤمنين الاستئذان للتهرب من فروض الأعيانِ، وإنَّما يستأذن من لم يُؤمن وارتاب قلبُه، فهو يتردَّد في ريبِه.
ثمَّ علَّل الاستئذان بخوف الفتنة، وقدَّم رأيَه على النصِّ، ورأى أنَّه أعلم بالفتنة وأسبابِها، فسلك الطريق الَّذي انتهى إليه نظره وهواه، وسقط في الفتنة حقًّا.