الصفحة 410 من 571

يقول أحد المجاهدين: في أحد ليالي الشتاء كان المجاهدون متعبين بعد عناء اليوم، ولم يناموا إلا حوالي الساعة العاشرة، فاستيقظتُ الساعة 12.30 فوجدتُ جعفر يتحدث مع خطاب من خلف نافذة، وطال الحديث وطال، وكان خطاب يدعو جعفر أن يحرك مجموعته لمهمة، وجعفر يقول: جيد لكن الشباب لا بد أن يرتاحوا قليلًا، وخطاب يحاول معه ويقول: يكفيهم ما ارتاحوا، وجعفر لرحمته يقول: لا بأس ولكنهم متعبون ولا بد أن يرتاحوا، ولما ذهب خطاب استراح جعفر على فراشه فلم يأته النوم، ثم قام وتوضأ وصلى ركعتين، ثم شغل سيارته وانطلق ليرتب أمور مجموعته، ولم ينتظر حتى الصباح .. فلله ما أعلى تلك الهمم!!

سبحان خالق قلبٍ كيف لذته ... فيما النفوس تراه غاية الألم

متيم ... بالندى ... لو قال سائله ... هب لي جميع كرى عينيك لم ينم

كان رقيق المشاعر .. لا ينسى حاجتك، طلب أحدهم حذاءً، فأعطاه إياه بعد زمن ولم ينس حاجته، وطلبتُ مرةً سلاحًا خاصًا فمرّت ثلاثة أسابيع، حتى والله إنني أنا نسيت حاجتي، فأخذ جعفر يوزع أسلحة ثم نادي علي وأعطاني الذي أريده.

كان لا يأكل قبل المجاهدين، ولا يلبس قبل المجاهدين، بل إن المجاهدين صُرِفَت لهم بدل عسكرية جديدة فكان هو من أواخر من لبس، بل إنهم كانوا في الغابة .. وأشد ما في الغابة إذا نزل المطر فإنه تضيق صدور المجاهدين لشدة المطر وزلق الأرض والطين ولا تقدر أن تشعل نارًا، فوزعوا مرةً خيامًا جديدة مريحة مانعة من البلل؛ حتى كأنها فندق َ! دخل المجاهدون فيها وناموا أما هو فلم يكن له مكان .. فذهب مع صاحب له إلى أغصان شجر قد صففت ووضعوا فوقها بلاستيكًا وهي مفتوحة من الجوانب .. ونام تحتها .. وهو من هو ..

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمر به الوحول

ومع طيبته فكان قائدًا مربيًا، كان يمر على مجموعاته (شيشان .. عرب .. أذربيجانيين) فإذا رأى بقايا سكر في الأرض عاقب المجموعة ألا يُصرف لهم سكر .. وكذلك إذا رأى كسر خبز: كيف تسرفون وإخوان لكم لا يجدون ما يأكلون؟

كان يربي الشباب على القيادة، يجتمع بهم ويشاورهم، حتى مع الشباب الجدد الذي لم يسبق لهم تجربة، فيحاور ويقول: إذا جاء الروس من هنا فهل نأتي من هنا؟ وماذا نفعل؟ ويعرض الأفكار، وربما أرسل هذا للترصد، وهذا لعملية.

وكان يُسهّل الأمور، ويعطيك المسئوليات بأسلوب ميّسر: (تذهب مع هؤلاء .. وكذا وكذا .. وإذا أتى الروس اضربهم والله أكبر) !! هكذا أسلوبه، حتى إن جنوده كانوا يندهشون من هذا الأسلوب السهل، واعتادوا بذلك على القيادة.

وكان يولّيهم، هذا مسئول التموين - وهي مسئولية صعبة وثقيلة - وهذا مسئول الذخيرة، وهذا وهذا، فصار المجاهدون كخلية النحل؛ مع أنه كان لا يجلس كثيرًا معهم إذ هو مشغول بمهمات أكبر؛ من تحركاتٍ وترصداتٍ واجتماع مع القيادات.

زهده

كان حريصًا على أن تتعلم زوجته اللغة العربية، فكان يأمرها ألا تتكلم معه في البيت إلا بالعربية، ومرة قدمت له الطعام وقالت له: (كل) بالروسية، فغضب ودفع الطعام وخرج من البيت، ولذلك فقد تعلمت كثيرًا من العربية من أجل حرصه رحمه الله عليها.

لم يعش حياة الترف .. مرض مرات .. وأصيب مرة، فقد كان هناك 6 من المجاهدين داخل الغابة؛ فكمن لهم الروس وضربوهم بالرشاش، فأصيب أحد المجاهدين (أبو المثنى) فكان يقول وهو مصاب في دمائه: اللهم احفظ أبا جعفر، وأصيب أبو جعفر بطلقات أصاب بعضها مفصل يده اليمنى، حتى كانت يده تعكف قليلًا إذا أراد الأكل .. وأصابت أخرى عضد اليسرى، وأصيب كذلك في ظهره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت