وكان (خطّاب) رحمه الله حذرًا جدًا في التعامل معهما، فكان لا يتقابل معهما إلا نادرًا جدًا وفي مكان بعيد عن مكان تواجده، هذا كان في بداية الأمر وكان الاعتماد عليهما في إحضار الأغراض قليلًا، وذلك لوجود من يحضر الأغراض من الخارج وأكثر ثقة من هذين الشخصين رغم أنهما أسرع من يحضر هذه الأمور وأكثر قدرةً وجرأةً من غيرهما، واستمر الوضع على هذا الحال لعدة أشهر أظهرا خلال هذه الفترة تعاونًا كبيرًا وعرفا خلالها كل الطرق التي من خلالها ندخل أمورًا كثيرةً أخرى، فبلّغوا عن هذه الطرق وعن المتعاونين معنا الذين يأتون لنا بالأغراض من الخارج، فأُغلقت هذه الطرق كلها وقُبض على أكثر المتعاونين معنا، ولم يبق إلا هذا الطريق مع هذين الشخصين، وزادت الشكوك وعدم الثقة فيهما، وحذّر الإخوة أخانا خطابًا مرة ثانية منهما ولكنه كان يقول رحمه الله: لو كانا يريدان أن يعملا شيئًا لعملاه منذ سنة، ورغم هذا سأكون حذرًا إن شاء الله، وكان يظن أن خطرهما يكمن في تبليغ العدو عن مكان تواجده، ولكنهما أتياه من مأمن أخزاهما الله، واستمر الوضع بهذه الطريقة؛ يأتيانه بالأموال والرسائل والأجهزة اللاسلكية من البلد المجاور، وعندما جاء الموعد الذي تواطئوا عليه وضعوا له سمًا قويًا في إحدى الرسائل المرسلة من أحد الإخوة العرب في البلد المجاور، وكانت هذه الرسالة مرسلةً من قبل وكانت في حوزتهم، وذلك أن تاريخ هذه الرسالة لم يكن مطابقًا للرسائل التي جاءت معها، بل هي أقدم منها بأكثر من أسبوعين مع العلم أن الكاتب واحد، وأحضروا هذه الرسائل مع بعض الأغراض وسلموها لحرس (خطاب) وقالوا لهم: إن فيها رسائل مهمة جدًا يجب أن تصل إلى (خطاب) بأسرع وقت، وفعلًا أخذ الحرس الأغراض والرسائل وخاطروا بأنفسهم من أجل إيصال الرسائل في أسرع وقت ووقعوا في كمين قُتل فيه أحد الإخوة المجاهدين وتركوا كل الأغراض وأخذوا الكيس الذي فيه الرسائل فقط لظنهم أن فيه رسائل مهمة، وما علموا أن فيه مصير قائدهم وحبيبهم، ووصلوا إلى خطاب وكعادته يرحمه الله بدأ يقلب الرسائل وأخذ المكتوبة بالعربية، وهذه الرواية ينقلها لي الإخوة الذين كانوا مع خطاب رحمه الله فيقولون: عندما فتح خطاب الرسالة لاحظنا أن الرسالة ليست كالرسائل العادية، لأن عليها مثل الغشاء البلاستيكي، وكنا نظن أن هذا الورق من النوع الراقي، وقلنا له مازحين: أكيد هذه الرسالة من ناس كبار، مع أن الشك يساورنا لأن ورقها غير طبيعي، وكنا نريد أن ننبهه على ذلك، ولكن نحن نعلم أنه أفهم وأعرف منا في هذه الأمور، ولكن إذا حضر الأجل عمي البصر، وكان رحمه الله يقرأ الرسالة وهو يأكل، مما جعل السم يدخل إلى جوفه مباشرةً، وبعد عدة دقائق بدأ يشعر بدوران وبغشاوة على عينيه، وكان يظن ذلك من أثر الصيام لأنه كان صائمًا في نهار ذلك اليوم ثم ذهب إلى الفراش ليأخذ قسطًا من الراحة، ثم عاد بعد قليل ليقرأ الرسالة مرة ثانيةً ولكنه لم يعد يرى الكتابة بوضوح، وشعر بإرهاق شديد جدًا ثم نام إلى الصباح وبعد صلاة الفجر بدأ يشعر بضيق التنفس وعدم وضوح الرؤية، وقال للذين معه: اجمعوا الأغراض، حتى لو حصل أي شيء نتحرك بسرعة، وهذه عادة كل المجاهدين، فجمع أمير الحرس الأغراض والرسائل بما فيها تلك الرسالة المسمومة، وجاء وقت صلاة الظهر فلم يستطع أن يؤم الإخوة في الصلاة، وقدّم أمير حرسه في الصلاة، وبعد انتهاء الصلاة اشتد به الألم ثم سجد وبدأ يردد: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله ..