وهناك أناس أوتوا بسطة في ألسنتهم، تغريهم بالاشتباك مع العالم والجاهل، وتجعل الكلام لديهم شهوة غالبة، فهم لا يملونه أبدا . وهذا الصنف إذا سلط ذلاقته على شئون الناس أساء ، وإذا سلطها على حقائق الدين شوّه جمالها وأضاع هيبتها . وقد سخط الإسلام أشد السخط على هذا الفريق الثرثار المتقعّر. قال النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". وقال:"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل". هذا الصنف لا يقف ببسطة لسانه عند حد، إنه يريد الكلام فحسب، يريد أن يباهى به ويستطيل، إن الألفاظ تأتى في المرتبة الأولى، والمعانى في المرتبة الثانية، أما الغرض النبيل، فربما كان له موضوع أخير، وربما عزَّ له موضع، وسط هذا الصخب. ولقد حدث أن واحدا من أولئك الأغرار وفد إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ".. عليه شارة حسنة"فجعل النبى لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتى بكلام يعلو كلام النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ !! فلما انصرف ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن الله لا يحب هذا وأضرابه ، يلوون ألسنتهم للناس لى البقر بلسانها المرعى، كذلك يلوى الله تعالى ألسنتهم ووجوههم في النار". والجدال في الدين ، والجدال في السياسة ، والجدال في العلوم والآداب ، عندما يتصدى له هذا النفر من الأدعياء البلغاء ، يفسد به الدين، وتفسد السياسة والعلوم والآداب، ولعل السبب في الانهيار العمرانى، والتحزب الفقهى، والانقسام الطائفى، وغير ذلك مما أصاب الأمة الإسلامية، هو هذا الجدل الملعون في حقائق الدين، وشئون الحياة. والجدل أبعد شيء عن البحث النزيه والاستدلال الموفق . ص _078