الصفحة 204 من 209

إن النظر القاصر يعرف من الزمن آثاره المحدودة. ومظاهره المحسوسة فهو يقول: أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشى ويقول: يسر المرء ما ذهب الليالى وكان ذهابهن له ذهابا لكن الزمن الذى يغضن الجباه ويطوى الآجال ويفنى الحضارات ويقف الناس مشدوهين بإزاء عجائبه. هذا الزمن نفسه هو فرصة لإيقاظ الأذكياء لفعل الخير وإسداء المعروف وادخار ما يجدى . قال تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) . فالليل يخلف النهار ويخلفه النهار مع حركات الأفلاك الدائرة السائرة، ورب العالمين لم يخلق ذلك عبثا، وقبيح الناس أن يظنوا محياهم في هذا الوجود الرتيب سدى، إنه الميدان الذى أعد للسباق الطويل، السباق الذى لا يتقدم فيه إلا من يعرف ربه ويذكر حقه، ويشكر نعمه، ومن يجعل من تواصل السنين تواصل دأب ونصب لإحراز الراحة الكبرى . أما الذاهلون عن هذه المعانى، الهائمون وراء منافعهم المعجلة، فهم حمقى لا ينتصحون من حكمة، ولا يستفيدون من درس . (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون) . إن عمرك رأس مالك الضخم، ولسوف تسأل عن إنفاقك منه، وتصرفك فيه. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه ؟ وعن شبابه فيم أبلاه ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن عمله ماذا عمل فيه". والإسلام نظر إلى قيمة الوقت في كثير من أوامره ونواهيه. فعندما جعل الإعراض عن اللغو من معالم الإيمان، كان حكيما في محاربة طوائف المتبطلين الذين ينادى ص _208

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت