إن المسلم الحق يغالى بالوقت مغالاة شديدة، لأن الوقت عمره، فإذا سمح بضياعه، وترك العوادى تنهبه فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش . إن الإنسان ليسير حثيثا إلى الله. وكل دورة للفلك تتمخض عن صباح جديد ليست إلا مرحلة من مراحل الطريق الذى لا توقف فيه أبدا. أفليس من العقل أن يدرك المرء هذه الحقيقة وأن يجعلها نصب عينيه وهو يستبين ما وراءه وما أمامه ؟، من الخدع أن يحسب المرء نفسه واقفا والزمن يسير! إنه خداع النظر حين يخيل لراكب القطار أن الأشياء تجرى وهو جالس. والواقع أن الزمن يسير بالإنسان نفسه إلى مصيره العتيد . * * * والإسلام دين يعرف قيمة الوقت، ويقدر خطورة الزمن، يؤكد الحكمة الغالية:"الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك". ويجعل من دلائل الإيمان وأمارات التقى أن يعى المسلم هذه الحقيقة ويسير على هداها: (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون) . ويعتبر الذاهلين عن غدهم، الغارقين في حاضرهم، المسحورين ببريق الدار العاجلة، قوما خاسرين سفهاء: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون) . وقد ورع الإسلام عباداته الكبرى على أجزاء اليوم وفصول العام، فالصلوات الخمس تكتنف اليوم كله، وأوقاتها تطرد مع سيره. والمقرر في الشريعة أن"جبريل"نزل من عند الله ليرسم أوائل الأوقات وأواخرها ليكون من ذلك نظام محكم دقيق يرتب الحياة الإسلامية ويقيسها بالدقائق من مطلع الفجر إلى مغيب الشفق: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) . ص _207